الباب السادس: في آداب القرآن

شاطر

حكماء
Admin

عدد المساهمات : 1910
تاريخ التسجيل : 30/12/2013

الباب السادس: في آداب القرآن

مُساهمة من طرف حكماء في الإثنين 8 أغسطس 2016 - 10:31


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة علوم القرآن
التبيان في آداب حملة القرآن
الباب السادس: في آداب القرآن


هذا الباب هو مقصود الكتاب وهو منتشر جدا وأنا أشير إلى أطراف من مقاصده كراهة الإطالة وخوفا على قارئه من الملالة.
فأول ذلك يجب على القارئ الإخلاص كما قدمناه ومراعاة الأدب مع القرآن فينبغي أن يستحضر في نفسه أنه يناجي الله تعالى ويقرأ على حال من يرى الله تعالى فإنه إن لم يكن يراه فإن الله تعالى يراه.
فصل
وينبغي إذا أراد القراءة أن ينظف فاه بالسواك وغيره، والاختيار في السواك أن يكون بعود من أراك ويجوز بسائر العيدان وبكل ما ينظف كالخرقة الخشنة والأشنان وغير ذلك، وفي حصوله بالأصبع الخشنة ثلاثة أوجه، لأصحاب الشافعي رحمهم الله تعالى أشهرها أنه لا يحصل، والثاني يحصل إن لم يجد غيرها، ولا يحصل إن وجد، ويستاك عرضا مبتدئا بالجانب الأيمن من فمه وينوي به الإتيان بالسنة قال بعض العلماء يقول عند الاستياك " اللهم بارك لي فيه يا أرحم الراحمين ". قال الماوردي من أصحاب الشافعي ويستحب أن يستاك في ظاهر الأسنان وباطنها ويمر السواك على أطراف أسنانه وكراسي أضراسه وسقف حلقه إمرارا رفيقا قالوا وينبغي أن يستاك بعود متوسط لا شديد اليبوسة ولا شديد الرطوبة قال فإن اشتد يبسه لينه بالماء ولا بأس باستعمال سواك غيره بإذنه، وأما إذا كان فمه نجسا بدم أو غيره فإنه يكره له قراءة القرآن قبل غسله،
وهل يحرم، قال الروياني من أصحاب الشافعي عن والده يحتمل وجهين والأصح لا يحرم.
فصل
يستحب أن يقرأ وهو على طهارة فإن قرأ محدثا جاز بإجماع المسلمين والأحاديث فيه كثيرة معروفة قال إمام الحرمين ولا يقال ارتكب مكروها بل هو تارك للأفضل فإن لم يجد الماء تيمم والمستحاضة في الزمن المحكوم بأنه طهر حكمها حكم المحدث وأما الجنب والحائض فإنه يحرم عليهما قراءة القرآن سواء كان آية أو أقل منها ويجوز لهما إجراء القرآن على قلبهما من غير تلفظ به ويجوز لهما النظر في المصحف وإمراره على القلب، وأجمع المسلمون على جواز التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير والصلاة على النبي وغير ذلك من الأذكار للجنب والحائض.
قال أصحابنا وكذا إن قالا لإنسان خذ الكتاب بقوة وقصدا به غير القرآن فهو جائز وكذا ما أشبهه ويجوز لهما أن يقولا عند المصيبة إنا لله وإنا إليه راجعون إذا لم يقصدا القرآن، قال أصحابنا الخراسانيون ويجوز أن يقولا عند ركوب الدابة " سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين "، وعند الدعاء " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار "، إذا لم يقصدا القرآن.
قال إمام الحرمين فإذا قال الجنب " بسم الله والحمد لله "، فإن قصد القرآن عصى وإن قصد الذكر أو لم يقصد شيئا لم يأثم، ويجوز لهما قراءة ما نسخت تلاوته " كالشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ".
فصل
إذا لم يجد الجنب أو الحائض ماء تيمم، ويباح له القراءة والصلاة وغيرهما فإن أحدث حرمت عليه الصلاة ولم تحرم القراءة والجلوس في المسجد وغيرهما مما لا يحرم على المحدث كما لو اغتسل ثم أحدث، وهذا مما يسأل عنه ويستغرب فيقال جنب يمنع من الصلاة ولا يمنع من قراءة القرآن والجلوس في المسجد من غير ضرورة كيف صورته، فهذا صورته، ثم الأقرب لا فرق مما ذكرناه بين تيمم الجنب في الحضر والسفر وذكر بعض أصحاب الشافعي أنه إذا تيمم في الحضر استباح الصلاة ولا يقرأ بعدها ولا يجلس في المسجد والصحيح جواز ذلك كما قدمناه ولو تيمم ثم صلى وقرأ ثم رأى ماء يلزمه استعماله فإنه يحرم عليه القراءة وجميع ما يحرم على الجنب حتى يغتسل، ولو تيمم وصلى وقرأ ثم أراد التيمم لحدث أو لفريضة أخرى أو لغير ذلك فإنه لا يحرم عليه القراءة على المذهب الصحيح المختار، وفيه وجه لبعض أصحاب الشافعي أنه لا يجوز، والمعروف الأول أما إذا لم يجد الجنب ماء ولا ترابا فإنه لا يصلي لحرمة الوقت على حسب حاله ويحرم عليه القراءة خارج الصلاة ويحرم عليه أن يقرأ في الصلاة ما زاد على فاتحة الكتاب.
وهل يحرم عليه قراءة الفاتحة. فيه وجهان، الصحيح المختار أنه لا يحرم بل يجب فإن الصلاة لا تصح إلا بها وكلما جازت الصلاة لضرورة مع الجنابة يجوز القراءة، والثاني لا يجوز بل يأتي بالأذكار التي يأتي بها العاجز الذي لا يحفظ شيئا من القرآن، لأن هذا عاجز شرعا فصار كالعاجز حسا، والصواب الأول.
وهذه الفروع التي ذكرناها يحتاج إليها فلهذا أشرت إليها بأوجز العبارات وإلا فلها أدلة وتتمات كثيرة معروفة في كتب الفقه والله أعلم.
فصل
ويستحب أن تكون القراءة في مكان نظيف مختار ولهذا استحب جماعة من العلماء القراءة في المسجد لكونه جامعا للنظافة وشرف البقعة ومحصلا لفضيلة أخرى وهي الاعتكاف فإنه ينبغي لكل جالس في المسجد الاعتكاف سواء أكثر في جلوسه أو أقل بل ينبغي أول دخوله المسجد أن ينوي الاعتكاف وهذا الأدب ينبغي أن يعتني به ويشاع ذكره ويعرفه الصغار والعوام فإنه مما يغفل عنه.
وأما القراءة في الحمام فقد اختلف السلف في كراهيتها فقال أصحابنا لا يكره ونقله الإمام المجمع على جلالته أبو بكر بن المنذر في الأشراف عن إبراهيم النخعي ومالك وهو قول عطاء وذهب إلى كراهته جماعات منهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه رواه عنه ابن أبي داود وحكى ابن المنذر عن جماعة من التابعين منهم أبو وائل شقيق بن سلمة والشعبي والحسن البصري ومكحول وقبيصة بن ذؤيب ورويناه أيضا عن إبراهيم النخعي وحكاه أصحابنا عن أبي حنيفة رحمهم الله أجمعين،
قال الشعبي تكره القراءة في ثلاثة مواضع في الحمامات والحشوش وبيوت الرحى وهي تدور، وعن أبي ميسرة قال لا يذكر الله إلا في مكان طيب.
وأما القراءة في الطريق فالمختار أنها جائزة غير مكروهة إذا لم يلته صاحبها فإن التهى عنها كرهت كما كره النبي القراءة للناعس مخافة من الخلط، وروى أبو داود عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه كان يقرأ في الطريق وروى عمر بن عبدالعزيز رحمه الله أنه أذن فيها، قال ابن أبي داود حدثني أبو الربيع قال أخبرنا ابن وهب قال سألت مالكا عن الرجل يصلي من آخر الليل فيخرج إلى المسجد وقد بقي من السورة التي كان يقرأ فيها شيء قال: ما أعلم القراءة تكون في الطريق، وكره ذلك، وهذا إسناد صحيح عن مالك رحمه الله.
فصل
يستحب للقارئ في غير الصلاة أن يستقل القبلة، فقد جاء في الحديث " خير المجالس ما استقبل به القبلة "، ويجلس متخشعا بسكينة ووقار مطرقا رأسه ويكون جلوسه وحده في تحسين أدبه وخضوعه كجلوسه بين يدي معلمه، فهذا هو الأكمل.
ولو قرأ قائما أو مضطجعا أو في فراشه أو على غير ذلك من الأحوال جاز وله أجر ولكن دون الأول قال الله عز وجل ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السماوات والأرض )، وثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله يتكئ في حجري وأنا حائض ويقرأ القرآن، رواه البخاري ومسلم، وفي رواية يقرأ القرآن ورأسه في حجري، وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: إني أقرأ القرآن في صلاتي، وأقرأ على فراشي، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: إني لأقرأ حزبي وأنا مضطجعة على السرير.
فصل
فإن أراد الشروع في القراءة استعاذ فقال " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم "، هكذا قال الجمهور من العلماء، وقال بعض العلماء يتعوذ بعد القراءة لقوله تعالى ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم )، وتقدير الآية عند الجمهور " إذا أردت القراءة فاستعذ " ثم صيغة التعوذ كما ذكرناه، وكان جماعة من السلف يقولون " أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم "، ولا بأس بهذا ولكن الاختيار هو الأول، ثم إن التعوذ مستحب وليس بواجب وهو مستحب لكل قارئ سواء كان في الصلاة أو في غيرها، ويستحب في الصلاة في كل ركعة على الصحيح من الوجهين عند أصحابنا، وعلى الوجه الثاني إنما يستحب في الركعة الأولى، فإن تركه في الأولى أتى به في الثانية، ويستحب التعوذ في التكبيرة الأولى في صلاة الجنازة على أصح الوجهين، قال وينبغي أن يحافظ على قراءة ( بسم الله الرحمن الرحيم ) في أول كل سورة سوى براءة، فإن أكثر العلماء قالوا إنها آية حيث تكتب في المصحف وقد كتبت في أوائل السور سوى براءة، فإذا قرأها كان متيقنا قراءة الختمة أو السورة، فإذا أخل بالبسملة كان تاركا لبعض القرآن عند الأكثرين، فإذا كانت القراءة في وظيفة عليها جعل كالأسباع والأجراء التي عليها أوقاف وأرزاق كان الاعتناء بالبسملة أكثر لتيقن قراءة الختمة فإنه إذا تركها لم يستحق شيئا من الوقف عند من يقول البسملة آية من أول السورة، وهذه دقيقة نفيسة يتأكد الاعتناء بها وإشاعتها.
فصل
فإذا شرع في القراءة فليكن شأنه الخشوع والتدبر عند القراءة، والدلائل عليه أكثر من أن تحصر وأشهر وأظهر من أن تذكر، فهو المقصود المطلوب وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب قال الله عز وجل ( أفلا يتدبرون القرآن )، وقال تعالى ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته )، والأحاديث فيه كثيرة وأقاويل السلف فيه مشهورة وقد بات جماعة من السلف يتلون آية واحدة يتدبرونها ويرددونها إلى الصباح وقد صعق جماعة من السلف عند القراءة ومات جماعات حال القراءة وروينا عن بهز بن حكيم أن زرارة بن أوفى التابعي الجليل رحمه الله أمهم في صلاة الفجر فقرأ حتى بلغ ( فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير ) خر ميتا قال: بهز وكنت فيمن حمله وكان أحمد بن أبي الحواري وهو ريحانة الشام كما قال أبو القاسم الجنيد رحمهما الله، إذا قرئ عنده القرآن يصيح ويصعق، قال ابن أبي داود وكان القاسم بن عثمان الجوني رحمه الله ينكر على ابن الحواري وكان الجوني فاضلا من محدثي أهل دمشق تقدم في الفضل على ابن أبي الحواري، قال وكذلك أنكره أبو الجوزاء وقيس بن جبير وغيرهم، قلت والصواب عدم الإنكار إلا على من اعترف أنه يفعله تصنعا والله أعلم. وقال إبراهيم الخواص رحمه الله تعالى: دواء القلب خمسة أشياء، قراءة القرآن بالتدبر وخلاء البطن وقيام الليل والتضرع عند السحر ومجالسة الصالحين.
فصل في استحباب ترديد الآية للتدبر
وقد قدمنا في الفصل قبله الحث على التدبر وبيان موقعه وتأثر السلف، وروينا عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال " قام النبي بآية يرددها حتى أصبح، ( إن تعذبهم فإنهم عبادك ) الآية رواه النسائي وابن ماجه، وعن تميم الداري رضي الله تعالى عنه أنه كرر هذه الآية حتى أصبح، ( أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ) الآية، وعن عبادة بن حمزة قال: دخلت على أسماء رضي الله عنها وهي تقرأ ، (فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم ) فوقفت عندها فجعلت تعيدها وتدعو فطال علي ذلك فذهبت إلى السوق فقضيت حاجتي ثم رجعت وهي تعيدها وتدعو، ورويت هذه القصة عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وردد ابن مسعود رضي الله عنه، ( وقل رب زدني علما ) وردد سعيد بن جبير ، (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ) وررد أيضا ، (فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم ) الآية وررد أيضا ،( ما غرك بربك الكريم ) وكان الضحاك إذا تلا قوله تعالى ،( لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ) رددها إلى السحر.
فصل في البكاء عند قراءة القرآن
قد تقدم في الفصلين المتقدمين بيان ما يحمل على البكاء في حال القراءة وهو صفة العارفين وشعار عباد الله الصالحين، قال الله تعالى ( ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا )، وقد وردت فيه أحاديث كثيرة وآثار السلف فمن ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم " اقرؤوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا "، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه صلى بالجماعة الصبح فقرأ سورة يوسف فبكى حتى سالت دموعه على ترقوته، وفي رواية أنه كان في صلاة العشاء، فتدل على تكريره منه، وفي رواية أنه بكى حتى سمعوا بكاءه من وراء الصفوف، وعن أبي رجاء قال رأيت ابن عباس رضى الله عنهما وتحت عينيه مثل الشراك البالي من الدموع، وعن أبي صالح قال قدم ناس من أهل اليمن على ابي بكر الصديق رضي الله عنه فجعلوا يقرؤون القرآن ويبكون فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: هكذا كنا، وعن هشام قال ربما سمعت بكاء محمد بن سيرين في الليل وهو في الصلاة.
والآثار في هذا كثيرة لا يمكن حصرها وفيما أشرنا إليه ونبهنا عليه كفاية والله أعلم، قال الإمام أبو حامد الغزالي البكاء مستحب مع القراءة وعندها، وطريقه في تحصيله أن يحضر قلبه الحزن بأن يتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد والمواثيق والعهود ثم يتأمل تقصيره في ذلك فإن لم يحضره حزن وبكاء كما يحضر الخواص فليبك على فقد ذلك فإنه من أعظم المصائب.
فصل
وينبغي أن يرتل قراءته، وقد اتفق العلماء على استحباب الترتيل، قال الله تعالى ( ورتل القرآن ترتيلا ) وثبت عن أم سلمة رضي الله عنها أنها نعتت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم " قراءة مفسرة حرفا حرفا "، رواه أبو داود والنسائي والترمذي قال الترمذي حديث حسن صحيح، وعن معاوية بن قرة عن عبدالله بن مغفل رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على ناقته يقرأ سورة الفتح يرجع في قراءته، رواه البخاري ومسلم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لأن أقرأ سورة أرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله، وعن مجاهد أنه سئل عن رجلين قرأ أحدهما البقرة وآل عمران والآخر البقرة وحدها وزمنهما وركوعهما وسجودهما وجلوسهما واحد سواء، فقال: الذي قرأ البقرة وحدها أفضل، وقد نهي عن الإفراط في الإسراع، فثبت عن عبدالله بن مسعود أن رجلا قال له إني أقرأ المفصل في ركعة واحدة فقال عبدالله بن مسعود هكذا هكذا الشعر إن أقواما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع القلب فرسخ فيه نفع، رواه البخاري ومسلم وهذا لفظ مسلم في إحدى رواياته، قال العلماء: والترتيل مستحب للتدبر ولغيره، وقالوا: يستحب الترتيل للعجمي الذي لا يفهم معناه لأن ذلك أقرب إلى التوقير والاحترام وأشد تأثيرا في القلب.
فصل
ويستحب إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ بالله من الشر ومن العذاب، أو يقول " اللهم إني أسألك العافية " أو " أسألك المعافاة من كل مكروه " أو نحو ذلك وإذا مر بآية تنزيه لله تعالى نزه فقال " سبحانه وتعالى " أو " تبارك وتعالى " أو " جلت عظمة ربنا " فقد صح عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: صليت مع النبي ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت يركع عند المائة ثم مضى فقلت يصلي بها في ركعة فمضى فقلت يركع بها ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ ترسلا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ، رواه مسلم في صحيحه، وكانت سورة النساء في ذلك الوقت مقدمة على آل عمران، قال أصحابنا رحمهم الله تعالى: ويستحب هذا السؤال والاستعاذة والتسبيح لكل قارئ سواء كان في الصلاة أو خارجا منها، وقالوا: ويستحب ذلك في صلاة الإمام والمنفرد والمأموم لأنه دعاء فاستووا فيه كالتأمين عقب الفاتحة، وهذا الذي ذكرناه من استحباب السؤال والاستعاذة هو مذهب الشافعي رحمه الله وجماهير العلماء رحمهم الله، قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: ولا يستحب ذلك بل يكره في الصلاة، والصواب قول الجمهور لما قدمناه.
فصل
ومما يعتنى به ويتأكد الأمر به احترام القرآن من أمور قد يتساهل فيها بعض الغافلين القارئين مجتمعين، فمن ذلك اجتناب الضحك واللغط والحديث في خلال القراءة إلا كلاما يضطر إليه، وليمتثل قول الله تعالى ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ) وليقتد بما رواه ابن أبي داود عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا قرأ القرآن لا يتكلم حتى يفرغ منه، ذكره في كتاب التفسير في قوله تعالى ( نساؤكم حرث لكم )، فإنه يناجي ربه سبحانه وتعالى فلا يعبث بين يديه،
ومن ذلك النظر إلى ما يلهي ويبدد الذهن وأقبح من هذا كله النظر إلى ما لا يجوز النظر إليه، وعلى الحاضرين مجلس القراءة إذا رأوا شيئا من المنكرات، أن ينهوا عنها حسب الإمكان باليد لمن قدر وباللسان لمن عجز عن اليد وقدر على اللسان وإلا فلينكر بقلبه والله أعلم.
فصل
لا تجوز قراءة القرآن بالعجمية سواء أحسن العربية أو لم يحسنها سواء كان في الصلاة أم في غيرها، فإن قرأ بها في الصلاة لم تصح صلاته هذا مذهبنا ومذهب مالك وأحمد وداود وأبو بكر بن المنذر وقال أبو حنيفة يجوز ذلك وتصح به الصلاة وقال أبو يوسف ومحمد يجوز ذلك لمن لم يحسن العربية ولا يجوز لمن يحسنها.
فصل
وتجوز قراءة القرآن بالقراءات السبع المجمع عليها، ولا يجوز بغير السبع ولا بالروايات الشاذة المنقولة عن القراء السبعة، وسيأتي في الباب السابع إن شاء الله تعالى اتفاق الفقهاء على استتابة من أقرأ بالشواذ أو قرأ بها وقال أصحابنا وغيرهم لو قرأ بالشواذ في الصلاة بطلت صلاته إن كان عالما وإن كان جاهلا لم تبطل ولم تحسب له تلك القراءة وقد نقل الإمام أبو عمر بن عبدالبر الحافظ إجماع المسلمين على أنه لا تجوز القراءة بالشاذ وأنه لا يصلى خلف من يقرأ بها قال العلماء من قرأ الشاذ إن كان جاهلا به أو بتحريمه عرف بذلك فإن عاد إليه أو كان عالما به عزر تعزيرا بليغا إلى أن ينتهي عن ذلك ويجب على كل متمكن من الإنكار عليه ومنعه الإنكار والمنع.
فصل
إذا ابتدأ بقراءة أحد القراء فينبغي أن يستمر على القراءة بها ما دام الكلام مرتبطا فإذا انقضى ارتباطه فله أن يقرأ بقراءة أحد من السبعة، والأولى دوامه على الأولى في هذا المجلس.
فصل
قال العلماء: الاختيار أن يقرأ على ترتيب المصحف، فيقرأ الفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران ثم ما بعدها على الترتيب وسواء قرأ في الصلاة أو في غيرها حتى قال بعض أصحابنا إذا قرأ في الركعة الأولى سورة ( قل أعوذ برب الناس ) يقرأ في الثانية بعد الفاتحة من البقرة.
قال بعض أصحابنا: ويستحب إذا قرأ سورة أن يقرأ بعدها التي تليها، ودليل هذا أن ترتيب المصحف إنما جعل هكذا لحكمة فينبغي أن يحافظ عليها إلا فيما ورد المشرع باستثنائه كصلاة الصبح يوم الجمعة يقرأ في الأولى سورة السجدة وفي الثانية ( هل أتى على الإنسان )، وصلاة العيد في الأولى ق وفي الثانية ( اقتربت الساعة ) وركعتين سنة الفجر في الأولى ( قل يا أيها الكافرون ) وفي الثانية ( قل هو الله أحد )، وركعات الوتر في الأولى ( سبح اسم ربك الأعلى ) وفي الثانية ( قل يا أيها الكافرون )، وفي الثالثة ( قل هو الله أحد ) والمعوذتين، ولو خالف الموالاة فقرأ سورة لا تلي الأولى أو خالف الترتيب فقرأ سورة ثم قرأ سورة قبلها جاز، فقد جاء بذلك آثار كثيرة وقد قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الركعة الأولى من الصبح بالكهف وفي الثانية بيوسف وقد كره جماعة مخالفة ترتيب المصحف وروى ابن أبي داود عن الحسن أنه كان يكره أن يقرأ القرآن إلا على تأليفه في المصحف وبإسناده الصحيح عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قيل له إن فلانا يقرأ القرآن منكوسا فقال: ذلك منكوس القلب، وأما قراءة السور من آخرها إلى أولها فممنوع منعا متأكد،ا فإنه يذهب بعض ضروب الإعجاز ويزيل حكمة ترتيب الآيات وقد روى ابن أبي داود عن إبراهيم النخعي الإمام التابعي الجليل والإمام مالك بن أنس أنهما كرها ذلك وأن مالكا كان يعيبه ويقول هذا عظيم وأما تعليم الصبيان من آخر المصحف إلى أوله فحسن ليس هذا من هذا الباب فإن ذلك قراءة متفاضلة في أيام متعددة مع ما فيه من تسهيل الحفظ عليهم والله أعلم.
فصل
قراءة القرآن من المصحف أفضل من القراءة عن ظهر القلب، لأن النظر في المصحف عبادة مطلوبة، فتجتمع القراءة والنظر، هكذا قاله القاضي حسين من أصحابنا وأبو حامد الغزالي وجماعات من السلف، ونقل الغزالي في الإحياء أن كثيرين من الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقرؤون من المصحف ويكرهون أن يخرج يوم ولم ينظروا في المصحف وروى ابن أبي داود القراءة في المصحف عن كثيرين من السلف ولم أر فيه خلافا ولو قيل إنه يختلف باختلاف الأشخاص فيختار القراءة في المصحف لمن استوى خشوعه وتدبره في حالتي القراءة في المصحف وعن ظهر القلب ويختار القراءة عن ظهر القلب لمن لم يكمل بذلك خشوعه ويزيد على خشوعه وتدبره لو قرأ من المصحف لكان هذا قولا حسنا والظاهر أن كلام السلف وفعلهم محمول على هذا التفصيل.
فصل في استحباب قراءة الجماعة مجتمعين وفضل القارئين من الجماعة والسامعين وبيان فضيلة من جمعهم عليها وحرضهم وندبهم اليها.
اعلم أن قراءة الجماعة مجتمعين مستحبة بالدلائل الظاهرة وأفعال السلف والخلف المتظاهرة، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أنه قال: " ما من قوم يذكرون الله إلا حفت بهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده "، قال الترمذي حديث حسن صحيح، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكره الله فيمن عنده "، رواه مسلم وأبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم، وعن معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال " ما يجلسكم قالوا جلسنا نذكر الله تعالى ونحمده لما هدانا للإسلام ومن علينا به، فقال أتاني جبريل عليه السلام فأخبرني أن الله تعالى يباهي بكم الملائكة " رواه الترمذي والنسائي وقال الترمذي حديث حسن صحيح، والأحاديث في هذا كثيرة وروى الدارمي بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال من استمع إلى آية من كتاب الله كانت له نورا وروى ابن أبي داود أن أبا الدرداء رضي الله عنه كان يدرس القرآن معه نفر يقرؤون جميعا وروى ابن أبي داود فعل الدراسة مجتمعين عن جماعات من أفاضل السلف والخلف وقضاة المتقدمين وعن حسان بن عطية والأوزاعي أنهما قالا أول من أحدث الدراسة في مسجد دمشق هشام بن إسماعيل في قدمته على عبدالملك وأما ما روى ابن أبي داود عن الضحاك بن عبدالرحمن بن عرزب أنه أنكر هذه الدراسة وقال ما رأيت ولا سمعت وقد أدركت أصحاب رسول الله يعني ما رأيت أحدا فعلها وعن وهب قال قلت لمالك أرأيت القوم يجتمعون فيقرؤون جميعا سورة واحدة حتى يختموها فأنكر ذلك وعابه وقال ليس هكذا تصنع الناس إنما كان يقرأ الرجل على الآخر يعرضه فهذا الإنكار منهما مخالف لما عليه السلف والخلف ولما يقتضيه الدليل فهو متروك والاعتماد على ما تقدم من استحبابها لكن القراءة في حال الاجتماع لها شروط قدمناها ينبغي أن يعتنى بها والله أعلم وأما فضيلة من يجمعهم على القراءة ففيها نصوص كثيرة كقوله الدال على الخير كفاعله وقوله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم والأحاديث فيه كثيرة مشهورة وقد قال الله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى ولا شك في عظم أجر الساعي في ذلك.
فصل في الإدارة بالقرآن
وهو أن يجتمع جماعة يقرأ بعضهم عشرا أو جزءا أو غير ذلك ثم يسكت ويقرأ الأخر من حيث انتهى الأول ثم يقرأ الآخر وهذا جائز حسن وقد سئل مالك رحمه الله تعالى عنه فقال لا بأس به.
فصل في رفع الصوت بالقراءة
هذا فصل مهم ينبغي أن يعتنى به، اعلم أنه جاء أحاديث كثيرة في الصحيح وغيره دالة على استحباب رفع الصوت بالقراءة، وجاءت آثار دالة على استحباب الإخفاء وخفض الصوت، وسنذكر منها طرفا يسيرا إشارة إلى اصلها إن شاء الله تعالى.
قال الإمام أبو حامد الغزالي وغيره من العلماء وطريق الجمع بين الأحاديث والآثار المختلفة في هذا أن الإسرار أبعد من الرياء فهو أفضل في حق من يخاف ذلك فإن لم يخف الرياء فالجهر ورفع الصوت أفضل لأن العمل فيه أكثر ولأن فائدته تتعدى إلى غيره والمتعدي أفضل من اللازم ولأنه يوقظ قلب القارئ ويجمع همه إلى الفكر فيه ويصرف سمعه إليه ويطرد النوم ويزيد في النشاط ويوقظ غيره من نائم وغافل وينشطه قالوا فمهما حضره شيء من هذه النيات فالجهر أفضل فإن اجتمعت هذه النيات تضاعف الأجر، قال الغزالي ولهذا قلنا القراءة في المصحف أفضل فهذا حكم المسألة وأما الآثار المنقولة فكثيرة وأنا أشير إلى أطراف من بعضها ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به "، رواه البخاري ومسلم ومعنى أذن استمع وهو إشارة إلى الرضا والقبول، وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود " رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " له لقد رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة "، ورواه مسلم من رواية بريد بن الخصيب وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لله أشد أذنا إلى الرجل حسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته "، رواه ابن ماجه وعن أبي موسى أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالليل حين يدخلون وأعرف مازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار "، رواه البخاري ومسلم، وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" زينوا القرآن بأصواتكم "، رواه أبو داود والنسائي وغيرهما، وروى ابن أبي داود عن علي رضي الله عنه أنه سمع ضجة ناس في المسجد يقرؤون القرآن فقال طوبى لهؤلاء كانوا أحب الناس لرسول الله.
وفي إثبات الجهر أحاديث كثيرة وأما الآثار عن الصحابة والتابعين من أقوالهم وأفعالهم فأكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر وهذا كله فيمن لا يخاف رياء ولا إعجابا ولا نحوهما من القبائح ولا يؤذي جماعة يلبس عليهم صلاتهم ويخلطها عليهم.
وقد نقل عن جماعة السلف اختيار الإخفاء لخوفهم مما ذكرناه فعن الأعمش قال دخلت على إبراهيم وهو يقرأ بالمصحف فاستأذن عليه رجل فغطاه وقال لا يرى هذا أني أقرأ كل ساعة، وعن أبي العالية قال كنت جالسا مع أصحاب رسول الله ورضي الله عنهم فقال رجل منهم قرأت الليلة كذا فقالوا هذا حظك منه ويستدل لهؤلاء بحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة "، رواه أبو داود والترمذي والنسائي قال الترمذي حديث حسن، قال ومعناه أن الذي يسر بقراءة القرآن أفضل من الذي يجهر بها لأن صدقة السر أفضل عند أهل العلم من صدقة العلانية قال وإنما معنى هذا الحديث عند أهل العلم لكي يأمن الرجل من العجب لأن الذي يسر بالعمل لا يخاف عليه من العجب كما يخاف عليه من علانيته قلت وكل هذا موافق لما تقدم تقريره في أول الفصل من التفصيل وأنه إن خاف بسبب الجهر شيئا مما يكره لم يجهر وإن لم يخف استحب الجهر فإن كانت القراءة من جماعة مجتمعين تأكد استحباب الجهر لما قدمناه ولما يحصل فيه من نفع غيرهم والله أعلم.
فصل في استحباب تحسين الصوت بالقراءة
أجمع العلماء رضي الله عنهم من السلف والخلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار أئمة المسلمين على استحباب تحسين الصوت بالقرآن وأقوالهم وأفعالهم مشهورة نهاية الشهرة فنحن مستغنون عن نقل شيء من أفرادها ودلائل هذا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، مستفيضة عند الخاصة والعامة كحديث زينوا القرآن بأصواتكم وحديث لقد أوتي هذا مزمارا وحديث ما أذن الله وحديث لله أشد أذنا وقد تقدمت كلها في الفصل السابق وتقدم في فضل الترتيل حديث عبدالله بن مغفل في ترجيع النبي القراءة وكحديث سعد بن أبي وقاص وحديث أمامة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من لم يتغن بالقرآن فليس منا "، رواه أبو داود بإسنادين جيدين وفي إسناد سعد اختلاف لا يضر قال جمهور العلماء معنى لم يتغن لم يحسن صوته وحديث البراء رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في العشاء بالتين والزيتون فما سمعت أحدا أحسن صوتا منه رواه البخاري ومسلم.
قال العلماء رحمهم الله فيستحب تحسين الصوت بالقراءة وترتيبها مالم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط فإن أفرط حتى زاد حرفا أو أخفاه فهو حرام وأما القراءة بالألحان فقد قال الشافعي رحمه الله في موضع أكرهها قال أصحابنا ليست على قولين بل فيه تفصيل إن أفرط في التمطيط فجاوز الحد فهو الذي كرهه وإن لم يجاوز فهو الذي لم يكرهه.
وقال الماوردي رحمه الله في كتابه الحاوي: القراءة بالألحان الموضوعة إن أخرجت لفظ القرآن عن صيغته بإدخال حركات فيه أو إخراج حركات منه أو قصر ممدود أو مد مقصور أو تمطيط يخفي به بعض اللفظ ويتلبس المعنى فهو حرام يفسق به القارئ ويأثم به المستمع لأنه عدل به عن نهجه القويم إلى الاعوجاج والله تعالى يقول ( قرآنا عربيا غير ذي عوج )، قال وإن لم يخرجه اللحن عن لفظه وقراءته على ترتيله كان مباحا لأنه زاد على ألحانه في تحسينه، إنتهى.
وهذا القسم الأول من القراءة بالألحان المحرمة مصيبة ابتلي بها بعض الجهلة الطغام الغشمة الذين يقرؤون على الجنائز وبعض المحافل وهذه بدعة محرمة ظاهرة يأثم كل مستمع لها كما قاله أقضى القضاة الماوردي ويأثم كل قادر على إزالتها أو على النهي عنها إذا لم يفعل ذلك وقد بذلت فيها بعض قدرتي وأرجو من فضل الله الكريم أن يوفق لإزالتها من هو أهل لذلك وأن يجعله في عافية.
قال الشافعي في مختصر المزني ويحسن صوته بأي وجه كان قال وأحب ما يقرأ حدرا وتحزينا قال أهل اللغة يقال حدرت بالقراءة إذا أدرجتها ولم تمططها ويقال فلان يقرأ بالتحزين إذا رقق صوته وقد روى ابن أبي داود بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قرأ إذا الشمس كورت يحزنها شبه الرثاء وفي سنن أبي داود قيل لابن أبي مليكة أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت فقال يحسنه ما استطاع.
فصل في استحباب طلب القراءة الطيبة من حسن الصوت
اعلم أن جماعات من السلف كانوا يطلبون من أصحاب القراءة بالأصوات الحسنة أن يقرؤوا وهم يستمعون وهذا متفق على استحبابه، وهو عادة الأخيار والمتعبدين وعباد الله الصالحين وهو سنة ثابتة عن رسول الله فقد صح عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال " قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرأ علي القرآن فقلت يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل قال إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا جئت إلى ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) قال: حسبك الآن فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان "، رواه البخاري ومسلم، وروى الدارمي وغيره بأسانيدهم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول لأبي موسى الأشعري ذكرنا ربنا فيقرأ عنده القرآن، والآثار في هذا كثيرة معروفة وقد مات جماعات من الصالحين بسبب قراءة من سألوه القراءة والله أعلم,
وقد استحب العلماء أن يستفتح مجلس حديث النبي ويختم بقراءة قارئ حسن الصوت ما تيسر من القرآن ثم إنه ينبغي للقارئ في هذه المواطن أن يقرأ ما يليق بالمجلس ويناسبه وأن تكون قراءته في آيات الرجاء والخوف والمواعظ والتزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة والتأهيب لها وقصر الأمل ومكارم الأخلاق.
فصل
ينبغي للقارئ إذا ابتدأ من وسط السورة أو وقف على غير آخرها، أن يبتدئ من أول الكلام المرتبط بعضه ببعض وأن يقف على الكلام المرتبط، ولا يتقيد بالأعشار والأجزاء فإنها قد تكون في وسط الكلام المرتبط، كالجزء الذي في قوله تعالى ( فما كان جواب قومه ) وقوله تعالى ( ومن يقنت منكن لله ورسوله ) وفي قوله تعالى ( وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء ) وفي قوله تعالى ( إليه يرد علم الساعة ) وفي قوله تعالى ( وبدا لهم سيئات ) وفي قوله ( قال فما خطبكم أيها المرسلون )، وكذلك الأحزاب كقوله تعالى ( واذكروا الله في أيام معدودات ) وقوله تعالى ( قل هل أنبئكم بخير من ذلكم )، فكل هذا وشبيهه ينبغي أن يبتدأ به ولا يوقف عليه فإنه متعلق بما قبله ولا يغترن بكثرة الغافلين له من القراء الذين لا يراعون هذه الآداب ولا يفكرون في هذه المعاني وامتثل ما روى الحاكم أبو عبدالله بإسناده عن السيد الجليل الفضيل بن عياض رضي الله عنه قال لا تستوحش طرق الهدى لقلة أهلها ولا تغترن بكثرة الهالكين ولا يضرك قلة السالكين ولهذا المعنى قالت العلماء قراءة سورة قصيرة بكاملها أفضل من قراءة بعض سورة طويلة بقدر القصيرة فإنه قد يخفى الارتباط على بعض الناس في بعض الأحوال وقد روى ابن أبي داود بإسناده عن عبدالله بن أبي الهذيل التابعي المعروف رضي الله عنه قال كانوا يكرهون أن يقرؤوا بعض الآية ويتركوا بعضها.
فصل في أحوال تكره فيها القراءة
اعلم أن قراءة القرآن على الإطلاق إلا في أحوال مخصوصة جاء الشرع بالنهي عن القراءة فيها، وأنا أذكر الآن ما حضرني منها مختصرة بحذف الأدلة فإنها مشهورة.
فتكره القراءة في حالة الركوع والسجود والتشهد وغيرها من أحوال الصلاة سوى القيام.
وتكره القراءة بما زاد على الفاتحة للمأموم في الصلاة الجهرية إذا سمع قراءة الإمام.
وتكره حالة القعود على الخلاء وفي حالة النعاس وكذا إذا استعجم عليه القرآن وكذا في حالة الخطبة لمن يسمعها ولا تكره لمن لم يسمعها بل تستحب هذا هو المختار الصحيح وجاء عن طاوس كراهيتها وعن إبراهيم عدم الكراهة فيجوز أن يجمع بين كلاميهما بما قلنا كما ذكره أصحابنا.
ولا تكره القراءة في الطواف هذا مذهبنا وبه قال أكثر العلماء وحكاه ابن المنذر عن عطاء ومجاهد وابن المبارك وأبي ثور وأصحاب الرأي وحكي عن الحسن البصري وعروة بن الزبير ومالك كراهتها في الطواف والصحيح الأول وقد تقدم بيان الاختلاف في القراءة في الحمام وفي الطريق وفيمن فمه نجس.
فصل
من البدع المنكرة في القراءة ما يفعله جهلة المصلين بالناس في التراويح من قراءة سورة الأنعام في الركعة الأخيرة في الليلة السابعة معتقدين أنها مستحبة فيجمعون أمورا منكرة منها اعتقادها مستحبة ومنها إيهام العوام ذلك ومنها تطويل الركعة الثانية على الأولى وإنما السنة تطويل الأولى ومنها التطويل على المأمومين ومنها هذرمة القراءة ومن البدع المشابهة لهذا قراءة بعض جهلتهم في الصبح يوم الجمعة بسجدة غير سجدة ألم تنزيل قاصدا ذلك وإنما السنة قراءة ألم تنزيل في الركعة الأولى وهل أتى في الثانية.
فصل في مسائل غريبة تدعو الحاجة إليها
منها أنه إذا كان يقرأ فعرض له ريح فينبغي أن يمسك عن القراءة حتى يتكامل خروجها ثم يعود إلى القراءة كذا رواه ابن أبي داود وغيره عن عطاء وهو أدب حسن.
ومنها أنه إذا تثاءب أمسك عن القراءة حتى ينقضي التثاؤب ثم يقرأ قال مجاهد وهو حسن ويدل عليه ما ثبت عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فمه فإن الشيطان يدخل "، رواه مسلم.
ومنها أنه يستحب له أن يقول ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من قرأ والتين والزيتون فقال ( أليس الله بأحكم الحاكمين ) فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين "، رواه أبو داود والترمذي بإسناد ضعيف عن رجل عن أعرابي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال الترمذي هذا الحديث إنما يروى بهذا الإسناد عن الأعرابي، عن أبي هريرة قال ولا يسمى، وروى ابن أبي داود والترمذي ومن قرأ آخر لا أقسم بيوم القيامة ( أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ) فليقل: بلى، ومن قرأ ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) أو ( فبأي حديث بعده يؤمنون ) فليقل: آمنت بالله، وعن ابن عباس رضي الله عنهما وابن الزبير وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهم أنهم كانوا إذا قرأ أحدهم ( سبح اسم ربك الأعلى ) قال: سبحان ربي الأعلى، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول فيها، سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات، وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه صلى فقرأ آخر سورة بني إسرائيل ثم قال: الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا، وقد نص بعض أصحابنا على أنه يستحب أن يقال في الصلاة ما قدمناه وفي حديث أبي هريرة في السور الثلاث وكذلك يستحب أن يقال باقي ما ذكرناه وما كان في معناه والله أعلم.

● [ لهذا الباب بقية ] ●

التبيان في آداب حملة القرآن : للنووي
منتدى ميراث الرسول
صلى الله عليه وسلم



    الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء 14 نوفمبر 2018 - 11:08