الفصل السابع: ذكر البديع من الكلام

شاطر

حكماء
Admin

عدد المساهمات : 1968
تاريخ التسجيل : 30/12/2013

الفصل السابع: ذكر البديع من الكلام

مُساهمة من طرف حكماء في الجمعة 23 نوفمبر 2018 - 16:03


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة علوم القرآن
الإعجاز البياني للقرآن الكريم
الفصل السابع
في ذكر البديع من الكلام

● [ هل إعجاز القرآن لِما تضمن من البديع ] ●

إن سأل سائل فقال: هل يمكن أن يعرف إعجاز القرآن من جهة ما يتضمنه من البديع، قيل: ذكر أهل الصنعة، ومن صنف في هذا المعنى، من صنعة البديع ألفاظاً نحن نذكرها، ثم نبين ما سألوا عنه، ليكون الكلام وارداً على أمر مبين مقرر، وباب مصور.
الاستعارة
من البديع في القرآن
ذكروا أن من البديع في القرآن: قوله عز ذكره (واخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ).
وقوله تعالى: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلّيٌّ حكيم)،
وقوله تعالى: (واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً).
وقوله تعالى: (وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ).
وقوله تعالى: (أَوْ يأتيهم عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ).
وقوله تعالى: (نُورٌ عَلَى نُورٍ).
البديع من الكلمات الجامعة
وقد يكون البديع من الكلمات الجامعة الحكيمة كقوله تعالى: (وَلَكُم في في الْقِصَاصِ حَيَاةٌ).
وفي الألفاظ الفصيحة كقوله تعالى: (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيَّاً).
وفي الألفاظ الالهية كقوله تعالى: (وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ)، وقوله تعالى: (وَمَا بِكُمْ من نعمة فَمِنَ اللَّه)، وقوله تعالى: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوُمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ).
من البديع من قول النبي
ويذكرون من البديع من قول النبي صلى الله عليه وسلم : " خيرُ الناسِ رجلْ ممسك بعنان فرسه في سبيل الله كلما سمع هيعةً طار إليها "، وقوله: " ربنا تقبل توبتي واغسل حوبتي "، وقوله: " غلب عليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، وهي الحالقة حالقة الدين لا حالقةُ الشعر "، وكقوله: " الناسُ كإبل مائةٍ لا تجد فيها راحلةً "، وكقوله " وهل يكبُّ الناسَ على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم "، وكقوله: " إن مما يُنبت الرَّبيع ما يقتُلُ حبطاً أو يُلِمُّ ".
من قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه
وكقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه في كلام له قد نقلناه بعد هذا على وجهه وقوله لخالد بن الوليد: احرصْ على الموت توهبْ لك الحياة، وقوله: فِرَّ من الشَرَفِ يتبعكَ الشرفُ.
من قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه
وكقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه في كتابه إلى ابن عباس وهو عامله على البصرة: أرغب راغبهم واحلُلْ عُقْدَةَ الخوفِ عنهم، وقوله: حين سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم : إنما قال ذلك والدين في قُلَّ فأما وقد اتسع نطاق الاسلام فكلُّ امرىءٍ وما اختار.
وسأل علي رضي الله عنه بعض كبراء فارس عن أحمد ملوكهم عندهم فقال: لأردشير فضيلةُ السبقِ غير أن أحمدهم أنوشروان، قال: فأي أخلاقه كان أغلب عليه، قال: الحلم والأناة. فقال علي رضي الله عنه: هما تَوْأَمانِ يُنْتِجُهُما عُلُو الهِمّة.
وقال: قيمةُ كل امرىءٍ ما يُحسنُ، وقال: العلم قُفْلٌ ومفتاحه المسألة.
أقوال بديعة أخرى
وكتب خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس: أما بعد فالحمد لله الذي قضَّ خَدَمتكم وفرَّقَ كلمتكم،
والخدمة الحلقة المستديرة ولذلك قيل للخلاخيل خِدام.
وقال الحجاج: دلوني على رجل سمينِ الأمانة.
ولما عقدت الرئاسة لعبد الله بن وهب الراسبي على الخوارج أرادوه على الكلام، فقال: لا خير في الرأي الفطير، وقال: دعوا الرأي يُغِبُّ.
وقال أعرابي في شكر نعمة: ذاك عُنْوانُ نِعمة الله عز وجل.
ووصف أعرابي قوماً فقال: إذا اصطفوا سفرت بينهم السهام وإذا تصافحوا بالسيوف قعد الحِمام.
وسئل أعرابي عن رجب فقال: صَفِرَتْ عِيابُ الوُدِّ بيني وبينه بعدَ امتلائِها، واكفَهَرَّتْ وجوهٌ كانت بمائِها.
وقال آخر: من ركب ظَهْرَ الباطلِ نزل دارَ النَّدامة.
وقيل لرؤبة: كيف خلَّفتَ ما وراءك، فقال: والترابُ يابِس، والمالُ عابس.
من البديع في الشعر
ومن البديع في الشعر طرق كثيرة قد نقلنا منها جملة لتستدل بها على ما بعدها، فمن ذلك قول امرىء القيس:
وقد أغتِدي والطيرُ في وكناتها ● بمنْجـردٍ قَـيْدِ الأوابدِ هَيْكَلِ
قوله: " قيد الأوابد " عندهم من البديع ومن الاستعارة، ويرونه من الألفاظ الشريفة، وعنى بذلك أنه أرسل هذا الفرس على الصيد صار قيداً لها، وكانت بحالة المقيد من جهة سرعة إحضاره واقتدى به الناس، واتبعه الشعراء فقيل: " قيدُ النواظر " و" قيدُ الألحاظ " و " قيد الكلام " و " قيد الحديث " و " قيد الرهان ".
وقال الأسود بن يعفر:
بمُقَلَّصٍ عَتِيدٍ جَهِيزٍ شده ● قيدُ الأوابد والرهان جواد
وقال أبو تمام:
لهـا منظر قـيدُ الأوابدِ لم يَزَل ● يروحُ ويغدو في خفارته الحُبُّ
وقال آخر:
ألحاظُهُ قيدُ عيونِ الورى ● فلـــيس طَـــرُفٌ يَتَـــعَـــدَّاهُ
وقال آخر:
قَيَّدَ الحُسْنُ عليه الحَدَقَا
وذكر الأصمعي وأبو عبيدة وحماد، وقبلهم أبو عمرو أنه أحسن في هذه اللفظه، وأنه اتبع فيها فلم يلحق وذكروه في باب الاستعارة البليغة. وسماها بعض أهل الصنعة باسم آخر، وجعلوها من باب الارداف، وهو أن يريد الشاعر دلالة على معنى فلا يأتي باللفظ الدال على ذلك المعنى بل بلفظ هو تابع له وردف. وقالوا ومثله قوله: نَؤُوم الضُحى لم تَنْتَطِقْ عن تَفَضُّلِ
وإنما أراد ترفهها بقوله: " نؤوم الضحى " ومن هذا الباب قول الشاعر:
بعيدةُ مهوى القُرْط إما لنوفـلٍ ● أبوها وإما عبدِ شمسٍ وهاشمِ
وإنما أراد أن يصف طول جيدها، فأتى بردفه.
ومن ذلك قول امرىء القيس:
وليل كموجِ البحر أرخى سُدُوله
وذلك من الاستعارة المليحة.ويجعلون من هذا القبيل ما قدمنا ذكره من القرآن (وَاشْتَعَلَ الرأسُ شَيباً).
وقواه تعالى: (واخْفِضْ لَهما جَنَاحَ الذُلِّ من الرحمةِ).
التشبيه
ومما يعدونه من البديع التشبيه الحسن كقول امرىء القيس:
كأنَّ عُيونَ الوحشِ حول خِبائِنا ● وأرحُلِنا الجَزْعَ الذي لم يُثَقَّبِ
وقوله:
كأن قلوبَ الطيرِ رطباً ويابساً ● لدى وَكْرِها العُنَّابُ والحَشَفُ البالي
واستبدعوا تشبيهه شيئين بشيئين على حسن تقسيم، ويزعمون أن أحسن ما وجد في هذا للمحدثين قول بشار:
كأنَ مَثَارَ النَّقْع فوقَ رؤَوسِنا ● وأسيافنا ليلٌ تَـهَـاوى كـواكـبُـه
من تشبيه امرىء القيس
وقد سبق امرؤ القيس إلى صحة التقسيم في التشبيه، ولم يتمكن بشار إلا من تشبيه إحدى الجملتين بالأخرى دون صحة التقسيم والتفصيل. وكذلك عدوا من البديع قول امرىء القيس في أذني الفرس:
وسَامِعَتَان يُعـرَف العِـتْـقُ فيهما ● كسامِعَتي مذعورةٍ وسطَ ربَرْبِ.
واتبعه طرفة فقال فيه:
وسامعتان يُعرف العِتْقُ فيهما ● كسامعتي شاةٍ بحومـل مُـفْـردِ
ومثله قول امرىء القيس في وصف الفرس:
وعـينان كالماويَّتَيْنِ ومَحْجَرٍ ● إلى سَنَدٍ مثلِ الصفيح المُنَّصَبِ
من تشبيه طرفة بن العبد
وقال طرفة في وصف عيني ناقته:
وعينان كالماويتين استكنتا ● بكهفي حجاجي صخرة قلت مورد
ومن البديع في التشبيه قول امرىء القيس:
له أيطلا ظبيٍ وسـاقـا نـعـامةٍ ● وإرخاء سِرْحانٍ وتقريبُ تَتْفُل
وذلك في تشبيه أربعة أشياء بأربعة أشياء أحسن فيها.
ومن التشبيه الحسن في القرآن قوله تعالى: (وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبحرِ كَالأَعْلاَمِ)،
وقوله تعالى: (كَأَنَّهُنَّ بيْضٌ مَّكْنُونٌ)، ومواضع نذكرها بعد هذا.
من بديع الاستعارة عند امرىء القيس أرخى الليل سدوله
ومن البديع في الاستعارة قول امرىء القيس:
وليلٍ كموجِ البحرِ أرخى سُدُولُهُ ● عليَّ بأنواعِ الهُمُومِ ليبتَلي
فقلتُ له لما تَمَطَّى بِصُـلبِهِ ● وأَردَفَ أعجازاً وناءَ بـكلكلِ
وهذه كلها استعارات أتى بها في ذكر طول الليل.
ومن ذلك قول النابغة:
وصدر أراح الـليلُ عازبَ همِّهِ ● تَضَاعفَ فيه الحزنُ من كلِّ جانبِ
فاستعارة من أراحه الراعي إبله إلى موضعها التي تأوي إليها بالليل.
وأخذ منه ابن الدمينة فقال:
اقضى نهاري بالحديث وبالمُنَى ● ويجمَعُني والـهـمَّ والـلـيلَ جـامـعُ
ومن ذلك قول زهير:
صحا القلبُ عن ليلى وأقصَرَ باطلُهْ ● وعُريَ أفـراس الصبا ورَواحِلُهْ
سما سمو الماء
ومن ذلك قول امرىء القيس:
سَمَوتُ إليها بعدَ ما نام أهلها ● سُمُوَّ حبابِ الماء حالاً على حالِ
وأخذه أبو تمام فقال:
سُمُوَّ عُباب الماء جاشت غواربُهْ
وإنما أراد امرىء القيس إخفاء شخصه..
ومن ذلك قوله:
كأني وأصحابي على قرن أغْفَرَا
يريد أنهم غير مطمئنين.
أبدع النابغة في قوله فإنك كالليل الذي هو مدركي
ومن ذلك ما كتب إليَّ الحسن بن عبد الله بن سعيد، قال: أخبرني أبي، قال أخبرنا عسل بن ذكوان، أخبرنا أبو عثمان المازني قال: سمعت الأصمعي يقول: أجمع أصحابنا أنه لم يقل أحسن ولا أجمع من قول النابغة:
فإنكَ كالليلِ الذي هو مدركي ● وإن خلتُ أن المنتأى عنك واسعُ
قال الحسن بن عبد الله: وأخبرنا محمد بن يحيى، أخبرنا عون بن محمد الكندي، أخبرنا قعنب بن محرز قال: سمعت الأصمعي يقول: سمعت أبا عمرو يقول: كان زهير يمدح السوق، ولو ضرب على أسفل قدميه مئتا دفل على أن يقول كقول النابغة:
فإنَّكَ كالليل الذي هو مدركي ● وإن خِلتُ أن المنتأى عنك واسع
لما قال، يريد أن سلطانه كالليل يصل إلى كل مكان. واتبعه الفرزدق فقال:
ولو حملتني الريحُ ثم طلبَتني ● لكنتُ كشيءٍ أدركني مقادِرُه
فلم يأت بالمعنى ولا اللفظ على ما سبق إليه النابغة، ثم أخذه الأخطل فقال:
وإن أمير المؤمنين وفعلَهُ ● لكالدهرِ لا عارٌ بما فعل الدهرُ
من بديع الاستعارة في قول للنبي
وقد روي نحو هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم : " نُصِرتُ بالرعب، وجُعِل رزقي تحت ظل رمحي، وليدخلنَّ هذا الدين على ما دخل عليه الليلُ "، وأخذه علي بن جبلة فقال:
وما لامرىءٍ حاولته عنك مهربٌا ● ولو كان في جوف السماء المطالعُ
بلى هاربٌ لا يهتدي لمكانه ● ظلامٌ ولا ضوءٌ من الصبحِ طالعُ
ومثله قول سلم الخاسر:
فأنت كالدهرِ مبثوثاً حبائِلُهُ ● والدهرُ لا ملجأ منـه ولا هَـرَبُ
ولو ملكتُ عِنانَ الـريح أصـرفُـها ● في كل ناحيةٍ ما فاتك الطَلَبُ
فأخذه البحتري فقال:
ولو أنهم ركبوا الكـواكبَ لم يكنْ ● ينجِّيهُمُ عن خوفِ بأسك مَهْرَبُ
ومن بديع الاستعارة قول زهير
فلما وردن الماء زُرقاً جـمامه ● وضعن عِصيّ الحاضرِ المتخيّمِ
وقول الأعشى:
وإن عتاقَ العِيسِ سوف يزوركم ● ثناءٌ على أعجازِهنَّ مُـعَلَّقُ
ومنه أخذ نصيب فقال:
فعاجوا فأَثْنَوا بالذي أنت أهلُهُ ● ولو سكتوا أثنت عليك الحقائبُ
ومن ذلك قول تأبط شراً:
فخالط سهل الأرضِ لم يكدح الصفا ● به كدحةً والـموتُ خـزيانُ ينظرُ
من الاستعارة في القرآن
ومن الاستعارة في القرآن كثير، كقوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكْ) يريد ما يكون الذكر عنه شرفاً.
وقوله تعالى: (صِبْغَةَ اللَّه وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً)، قيل دين الله أراد.
وقوله تعالى: (اشتَرَوُاْ الضَّلاَلَة بِالهُدَى، فَمَا رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ).
الغلو
ومن البديع عندهم الغلو: كقول النَّمِر بن تَوْلب:
أبقى الحوادثُ والأيامُ من نَمِرٍ ● إسنادَ سيفٍ قـديمٍ أثره بادي
تظلُ تحفرُ عنه إن ضربتَ بِهِ ● بعد الذراعين والقيدين والهادي
وكقول النابغة:
تقدُّ السلوقيّ المضاعف نسجه ● ويُوقدن بالصُّفّاح نار الحُباحب
وكقول عنترة:
فازورَّ من وَقْعِ القنا بلبابِهِ ● وشكا إليّ بعبرةٍ وتحمحمِ
وكقول أبي تمام:
لو يعلمِ الركنُ من قد جاء يلثمُه ● لخـرَّ يلثمُ منه موطِىءَ القَـدَمِ
وكقول البحتري:
ولو أن مشتاقاً تَكَلَّفَ فوق مـا ● في وسعه، لمشى إليك المنبرُ
من الغلو في القرآن
ومن هذا الجنس في القرآن: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ).
وقوله تعالى: (إِذَا رَأَتْهُم مِن مَّكَانٍ بَعيدٍ سَمِعُواْ لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً).
وقوله تعالى: (تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ).
المماثلة
ومما يعدونه من البديع المماثلة. وهو ضرب من الاستعارة، وذلك أين يقصد الإشارة إلى معنى، فيضع ألفاظاً تدل عليه، وذلك المعنى بألفاظه مثال للمعنى الذي قصد الإشارة إليه، نظيره من المنثور أن يزيد بن الوليد بلغه أن مروان بن محمد يتلكأ عن بيعته، فكتب إليه: أما بعد فإني أراك تُقَدِّمُ رِجْلاً وتؤخرُ أخرى فاعتمِدْ على أيتهما شِئْتً.
وكنحو ما كتب به الحجاج إلى المهلب: فإن أنت فعلتَ ذاك وإلا أشرعتُ إليك الرمح، فأجاب المهلب: فإن أشرع الأميرُ الرمحَ قلبتُ إليه ظَهْرَ المِجَنّ، وكقول زهير:
ومن يعصِ أطرافَ الزِّجاج فإنه ● يُطيع العوالي ركبت كُـلَّ لَهْـذَمِ
وكقول امرىء القيس:
ومـا ذرفت عيناكِ إلا لتضربي ● بسهميكِ في أعشارِ قلبٍ مُقَتَّلِ
وكقول عمرو بن معدي كرب:
فلو أنَّ قومي أنطقتني رماحُهُمْ ● نطقْتُ، ولكنَّ الرماح أجرَّتِ
وكقول القائل:
بني عمنا لا تذكروا الشعرَ بعدَما ● دفنتم بصحراءِ الغميرِ القوافيا
وكقول الآخر:
أقول وقد شَدُّوا لساني بـنـسـعةٍ ● أمعشرَ تيمٍ أطلقُوا عن لِسَانيا
من المماثلة في القرآن
ومن هذا الباب في القرآن كثير، كقوله: (فَمَا أَصْبَرهُمْ عَلَى النَّارِ).
وكقوله تعالى: (وَثِيابَكَ فَطَهِّر). قال الأصمعي: أراد البدن، قال: وتقول العرب، " فدى لك ثوباي " يريد نفسه، وأنشد:
ألا أبـلــغ أبـــا حفصٍ رَسُـولا ● فدى لك من أخي ثقةٍ إِزاري
المطابقة
ويرون من البديع أيضاً ما يسمونه المطابقة، وأكثرهم على أن معناها أن يذكر الشيء وضده: كالليل والنهار، والسواد والبياض، وإليه ذهب الخليل بن أحمد والأصمعي، ومن المتأخرين عبد الله بن المعتز، وذكر أن المعتز من نظائره من المنثور ما قاله بعضهم: أتيناك لتسلك بنا سبيل التوسع فأدخلتنا في ضيق الضمان.
المطابقة في القرآن
ونظيره من القرآن: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ).
وقوله تعالى: (يُخْرِجُ الْحيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنِ الْحَيِّ).
وقوله تعالى: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ) ومثله كثير جداً.
من فن المطابقة عند النبي صلى الله عليه وسلم
وكقول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: " إنكم تكثُرُون عندَ الفَزَعِ وَتقِلُّونَ عند الطَمَعِ ".
تعريف آخر للمطابقة
وقال آخرون: بل المطابقة أن يشترك معنيان بلفظة واحدة، وإليه ذهب قدامة بن جعفر الكاتب، فمن ذلك قول الأفوه الأودي:
وأقطعُ الهَوْجَـل مستأنسا ● بهوجلَ مستأنس عنتريس
عنى بالهوجل الأول الأرض وبالثاني الناقة. ومثله قول زياد الأعجم:
وَنُبِّئْتُهُمُ يستنظرون بكاهلٍ ● وللؤمِ فيهم كاهـلٌ وسـنـامُ
ومثله قول أبي داود:
عهدت لها منزلاً دائراً ● وآلاً على الماءِ يحمِلْنَ آلا
فالآل الأول: أعمدة الخيام تنصب على البئر للسقي، والآل الثاني السراب.
ابن قدامة لا يفسر المطابقة باجتماع الشيء وضده
وليس عنده قول من قال: " المطابقة إنما تكون باجتماع الشيء وضده " بشيء. ومن المعنى الأول قول الشاعر:
أهينُ لهم نـفسي لأُّكـرمها بهم ● ولن تُكرم النفسُ التي لا تُهينها
ومثله قول امرىء القيس:
وتردى على صُم صِلاب ملاطِسٍ ● شديداتِ عَـقد ليناتِ مِتان
وكقول النابغة:
ولا يحسبون الخـير لا شـر بـعـده ● ولا يحسبون الشرَّ ضربةَ لازبِ
اجتماع طباقين في بيت واحد
كقول زهير وقد جمع فيه طباقين:
بعـزمة مأمورٍ مطـيعٍ وآمرٍ ● مُطاع، فلا يُلفى لحزمهمُ مثلُ
وكقول الفرزدق:
والشيب ينهض في الشباب كأنه ● ليلٌ يصـيحُ بجانبـيه نهارُ
اجتماع ثلاث تطبيقات في بيت واحد
ومما قيل فيه ثلاث تطبيقات قول جرير:
وبـاسـطِ خـيرٍ فـيكـمُ بـيمـينــه ● وقابض شر عنكمُ بشماليا
وكقول رجل من بلعنبر:
يَجزون من ظلم أهل الظلم مغفرةً ● ومن إِسـاءة أهـل السوء إحسانا
وروي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه تمثل بقول القائل:
فلا الجود يُفْني المالَ والجَدُّ مقـبـلٌ ● ولا البخلُ يُبقي المال والجَدُّ مُدْبرُ
وكقول الآخر:
فسِرّي كإعلاني وتلـك سـجـيتـي ● وظُلمة ليلي مثلُ ضوءِ نهاريا
وكقول قيس بن الخطيم:
إذا أنت لم تنـفـع فـضُـرَّ، فـإنـمـا ● يُرَجَّى الفتى كيما يضرَّ وينفعا
وكقول السموأل:
ومـا ضَـرَّنـا أنـا قـلـيلٌ وجـارُنــا ● عزيزٌ، وجارُ الأكثرين ذليلُ
فهذا باب يرونه من البديع.
التجنيس
وباب آخر وهو التجنيس، ومعنى ذلك أن تأتي بكلمتين متجانستين.
التجنيس أن تشترك الكلمات في الحروف
فمنه ما تكون الكلمة تجانس الأخرى في تأليف حروفها وإليه ذهب الخليل.
التجنيس أن تشترك اللفظتان في الاشتقاق
ومنهم من زعم أن المجانسة أن تشترك اللفظتان على جهة الاشتقاق، كقوله عز وجل: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ الْقَيِّمِ).
وكقوله تعالى: (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَان)
وكقوله تعالى: (يَا أَسَفَا عَلَى يُوسُفَ).
وكقوله تعالى: (الَّذِينَ آمنُوْا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُم بظُلُمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ).
وكقوله: "وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ".
التجنيس في أقوال النبيً
وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: " أَسَلمُ سالمها الله، وغِفارُ غَفَرَ الله لها، وعصيةُ عصتِ الله ورسُوله ".
وكقوله صلى الله عليه وسلم: " الظُلمُ ظُلُماتُ يومَ القيامةِ ".
وقوله: " لا يكونُ ذو الوجهين وجيهاً عندَ الله ".
أمثله أخرى من التجنيس
وكتب بعض الكتاب: العُذْرُ مع التعذرِ واجبٌ فرأيك فيه.
وقال معاوية لابن عباسرضى الله عنه: ما لكم يا بني هاشم تُصابون في أبصاركم، فقال: كما تصابون في بصائركم.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هاجِروا ولا تهجُرُوا.
أمثلة من التجنيس في الشعر
ومن ذلك قول قيس بن عاصم:
ونحن حفزنا الحوفـزان بطعنةٍ ● كسته نجيعاً من دم الجوفِ أشكلا
وقال آخر:
أملَّ عليها بالبِلى الملوان
وقال الآخر:
وذاكمُ أنَّ ذُل الجار حالفكم ● وأن أنفَكُمُ لا تعـرف الأَنَـفَـا
وكتب إلي بعض مشايخنا قال: أنشدنا الأخفش عن المبرد عن التوزي:
وقـالـوا: حـمامات فَـحُـمَّ لقاؤها ● وطَلْحٌ فـزيرت والـمـطـي طُـلـوحُ
عُقاب بأعقاب من النأي بـعـدمـا ● جرت نيةٌ تُنسي المحبَّ طروح
وقال صِحابي: هدهدٌ فـوق بـانةٍ ● هُدى وبيانٌ بالنجاح يلـوح
وقالوا: دمٌ، دامت مواثـيقُ عهده ● ودام لنا حُسنُ الصفاء صـريح
وقال آخر:
أقبلن من مصر يبارين البري
وقال القطامي:
ولما ردّها في الشَّول شالت ● بذِيَّالٍ يكـون لـها لفاعا
قد يكون التجنيس بزيادة حرف أو نحوه
وقد يكون التجنيس بزيادة حرف أو ما يقارب ذلك، كقول البحتري:
هل لما فات من تلاق تلافٍ ● أما لشاكٍ من الصبابة شافِ
وقال ابن مقبل:
يمشين هَيْلَ النقا مالت جوانبه ● ينهالُ حيناً وينهاهُ الثرى حـينـا
وقال زهير:
هم يضربون حَبِيك البيض إذا لحِقوا ● لا ينكِلون إذا ما استلحَمُوا وحموا
ومن ذلك قول أبي تمام:
يمـدُّون مـن أيدٍ عـواصٍ عواصمٍ ● تصول بأسيافٍ قواضٍ قواضبُ
وأبو نواس يقصد في مصراعي مقدمات شعره هذا الباب كقوله:
ألا دارِهـا بـالماء حتى تـلـينَها ● فلن تُكرِمَ الصهباءَ حتى تهينَها
وكذلك قوله:
ديارُ نوارٍ ما ديارُ نوارِ ● كسونك شجواً هُن منه عَوَارِ
وكقول ابن المعتز:
سأثني على عهد المطيرةِ والقصير ِ● وأدعو لها بـالساكنين وبـالقـطرِ
وكقوله:
هي الدارُ إلا أنها منهم قَفْرُ ● وأنـي بـهـا ثـاوٍ وأنـهـمُ سَــفْـــرُ
وكقوله:
للأمـــانــــي حـــــــديثٌ يغـــــــرُّ ● ويسوء الدهر من قد يَسرُّ
وكقول المتنبي:
وقد أراني الشبابُ الروحَ فـي بدني ● وقد أراني المشيبُ الروح في بدلي
من التجنيس في القرآن الكريم
وقد قيل إن من هذا القبيل قوله عز وجل: (خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُورِيكُمْ آيَاتي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ).
وقوله: "قُلِ اللَّهِ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِيني فَاعْبدُواْ مَا شِئْتُم مِنْ دُونِهِ".
المقابلة
ويعدون من البديع المقابلة، وهي: أن يوفق بين معانٍ ونظائرها والمضاد يضده، وذلك مثل قول النابغة الجعدي:
فتى تَمَّ ما يَسُرُّ صديقَهُ ● على أن فيه ما يَسوءُ الأعاديا
وقال تأبط شرّاً:
أهزُّ به في ندوة الحي عِطْـفَهُ ● كما هزّ عطفي بالهجان الأواركُ
وكقول الآخر:
وإذا حديثٌ ساءني لم أكتئبْ ● وإذا حديث سَرَّني لم أُسْـرَرِ
وكقول الآخر:
وذي اخوة قَطَّعْت أقرانَ بينهِمِ ● كما تزكوني واحداً لا أخا لـيا
المقابلة في القرآن الكريم
ونظيره في القرآن: (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ. ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنكُم بِرَبِهّمْ يُشْرِكُونَ).
الموازنة
ويعدون من البديع الموازنة وذلك كقول بعضهم: اصبر على حر اللقا ومضض النزال وشدة المصارع، وكقول امرىء القيس:
سليم الشظا عبل الشوى شنج النسا
الموازنة في القرآن الكريم
ونظيره في القرآن: "والسَّمَاء ِ ذاتِ البُرُوجِ. واليومِ الموعُود وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ".
المساواة
ويعدون من البديع المساواة وهي أن يكون اللفظ مساوياً للمعنى لا يزيد عليه ولا ينقص عنه، وذلك يعد من البلاغة، وذلك كقول زهير:
ومهما تكُنْ عند امرىءٍ من خلـيقةٍ ● وإن خالها تخفَى على الناس تُعْلَمِ
وكقول جرير:
فلو شاء قـومي كان حـلميَ فـيهمُ ● وكان على جُهّال اعدائِهم جهلي:
كقول الاخر :
اذا انت لم تقصر عن الجهل والخنا ● اصبت حليما او اصابك جاهل
كقول الهذلي :
فلا تجزَعَنْ عن سُنَّةٍ أنت سِرتها ● وأولُ راضٍ سيرةَ من يسيرُها
وكقول الآخر:
فإن هم طاوعوكِ فطاوِعيهـم ● وإن عاصَوك فاعصي من عصاكِ
ونظير ذلك في القرآن كثير.
الإشارة
ومما يعدونه من البديع الإشارة وهو اشتمال اللفظ القليل على المعاني الكثيرة، وقال بعضهم في وصف البلاغة: لمحة دالة. ومن ذلك قول طرفة:
فظـلَّ لنا يومٌ لذيذٌ بـنعـمةٍ ● فقل في مقيلٍ نحسُهُ متغيَّبُ
وكقول زيد الخيل:
فخيبة من يخيب علي غَنيّ ● وباهلةَ بن أعصَر والرّبـاب
من الإشارة في القرآن الكريم
ونظيره من القرآن: (ولو أن قُرآناً سُيِّرَتْ به الجِبالُ أو قُطِّعَتْ به الأرضُ أو كُلِّمَ بهِ الموتَى)، ومواضع كثيرة.
المبالغة والغلو
ويعدون من البديع المبالغة والغلو والمبالغة تأكيد معاني القول وذلك كقول الشاعر:
ونكـرِمُ جـارَنـا مـا كـان فـينـا ● ونُتبعُهُ الكرامَةَ حيثُ مالا
ومن ذلك قول الآخر:
وهم تركُوك أسْلحَ من حُبارى ● رأت صقراً، وأشْرَدَ من نعـامِ
فقوله "رأت صقراً مبالغة".
ومن الغلو قول أبي نواس:
توهمتها في كأسها فـكأنما ● توهمتُ شـيئاً لـيس يُدركـه العقْـلُ
فما يرتقي التكييفُ فيها إلى مدى ● يُحد بـه إلا ومن قـبلِهِ قبلُ
وقول زهير:
لو كان يقعُد فوق الشمس من كرمٍ ● قومٌ بأولهم أو مجدهم قعدوا
وكقول النابغة:
بلغنا السماء مجدُنا وسناؤنا ● وأنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا
وكقول الخنساء:
وما بلغت كفُّ امرىءٍ من متناول ● بها المجد إلا حـيثـمـا نـلـت أطـولُ
وما بلغ المهدون في القول مِـدحةً ● وإن أطنبوا إلا الـذي فـيك أفـضـلُ
وقول الآخر:
له هِمَمٌ لا منتهى لكبارِها ● وهمتُهُ الـصُّغرى أجلُّ من الدهرِ
له راحةٌ لو أن معشارَ جُودها ● على البرِّ صار البرُّ أندى من البحرِ
الإيغال
ويرون من البديع الإيغال في الشعر خاصة، فلا يطلب مثله في القرآن، إلا في فواصل. كقول امرىء القيس:
كأن عيونَ الوحشِ حول خِبائنا ● وأرحلِنا الجـزعُ الـذي لـم يثـقـب
وقد أوغل بالقافية في الوصف، وأكد التشبيه لها، والمعنى قد يستقل دونها.
التوشيح
ومن البديع عندهم: التوشيح، وهو أن يشيد أول البيت بقافيته وأول الكلام بآخره.. كقول البحتري:
فليس الذي حللته بمـحـلـل ● وليس الذي حرمته بحرامِ
ومثله في القرآن: (فَمنَ تَابَ مِنَ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ).
رد العجز على الصدر
ومن ذلك رد عجز الكلام على صدره كقول الله عز وجل: (اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً).
وكقوله تعالى: (لاتَفْتَرُوا على الله كذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بعذابٍ وقد خابَ من افْتَرى)، ومن هذا الباب قول القائل ذي الرمة:
وإن لم يكن إلا تعللُ ساعةٍ ● قليلاً فإني نافعٌ لي قليلُها
وكقول جرير:
سقى الرملَ جونٌ مستهلٌ غـمـامُـهُ ● وما ذاك إلا حُبّ من حلَّ بالرملِ
وكقول الآخر:
يَودُّ الفتى طولَ السلامةِ والـغِـنـى ● فكيف يرى طولَ السلامةِ يفعلُ
وكقول أبي صخر الهذلي:
عجبتُ لسعي الدهرِ بيني وبينَها ● فلما انقضى ما بيننا سكنَ الدهرُ
وكقول الآخر:
أصدُّ بأيدي العيس عن قصدٍ أرضِها ● وقلبي إليها بالمودة قاصدُ
وكقول عمرو بن معدي كرب:
إذا لم تستطعْ شيئاً فدعْهُ ● وجاوزْهُ إلى ما تستـطـيعُ
صحة التقسيم
ومن البديع صحة التقسيم ومن ذلك قول نصيب:
فقـال فـريقُ الـقـوم: لا، وفريقُهم ● نعم، وفريقٌ قال: ويَحَك ما ندري
وليس في أقسام الجواب أكثر من هذا. وكقول الآخر:
فكأنما فيه نهارٌ سَاطِعٌ ● وكأنه ليلٌ عليها مظلمُ
وقول المقنع الكندي:
إن يأكلوا لحمي وفْرتُ لحومَهم ● وإن يهدِموا مجدي بنيتُ لهم مجدا
وإن ضيعوا غيبي حفظت غُيوبَهم ● وإن هم هَوَوا غيبي هويتُ لهم رُشدا
وإن زجروا طيراً بنحسٍ تَمُّر بي ● زجرتُ لهم طيَراً تمرُّ بهم سَعدا
وكقول عروة بن حزام:
بمـن لـو أراه غـائبـاً لـفـديتُـــهُ ● ومن لو رآني غائباً لفداني
ونحوه قول الله عز وجل: (اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُماَتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْليَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماَتِ).
صحة التفسير
ونحوه صحة التفسير، كقول القائل:
ولي فـرسٌ للحلم بـالحلم ملجمٌ ● ولي فرسٌ للجهلِ بالجهل مُسْرَجُ
التكميل والتتميم
ومن البديع التكميل والتتميم كقول نافع بن خليفة:
رجالٌ إذا لم يَقْبَلُوا الحقَّ منهمُ ● ويعطوه عادوا بالسيوفِ القواطع
وإنما تمت جودة المعنى بقوله ويعطوه، كقول الله عز وجل: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ)، إلى آخر الآية. ثم قال تعالى. (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).
الترصيع
ومن البديع الترصيع وذلك من ألوان منها قول امرىء القيس:
محش مخـش مقبـل مدبر معاً ● كتيس ظباء الحلب في العدوان
ومن ذلك كثير من مقدمات أبي نواس:
يا منة امتنها السكرُ ● ما ينقضي مني لها الشكرُ
وكقوله وقد ذكرناه قبل هذا:
ديارُ نوارٍ ما ديارُ نوارِ ● كَسَوْنَكَ شَجْواً هُنَّ منه عَوارِ
الترصيع مع التجنيس
ومن ذلك الترصيع مع التجنيس. كقول ابن المعتز:
ألم تجزع على الربع المحيلِ ● وأطلالٍ وآثارٍ محول
الترصيع مع التجنيس في القرآن
ونظيره من القرآن كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذينَ اتَّقَواْ إِذا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ، وإخْوَانُهُم يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ)،
وقوله تعالى: (مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، وَإِنَّ لَكَ لأَجْرَاً غَيْرَ مَمْنُونٍ).
وكقوله تعالى: (وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيرِ لَشَدِيدٌ).
وكقوله تعالى: (وَالطُّورِ، وَكِتَابٌ مَّسْطُورٍ).
العكس والتبديل
ومن ذلك العكس والتبديل، كقول الحسن: " إن من خَوَّفَك لتأمنَ خيرممن أمنَّك لتخافَ ".
وكقوله: " اللهم اغنني بالفقرِ إليك ولا تُفقِرْني بالاستغناء عنك ".
وكقوله: " بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا، ولا تبعْ آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعاً "، وكقول القائل:
وإذا الدرُّ زانَ حسـنَ وُجـوهـهٍ ● كان للدر حسنُ وجهِكَ زينا
وقد يدخل في هذا الباب قوله تعالى: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيلِ).
الالتفات
ومن البديع الالتفاف، فمن ذلك ما كتب إلى الحسن بن عبد الله العسكري، أخبرنا محمد بن عبد الله الصولي، حدثني يحيى بن علي المنجم عن أبيه عن إسحاق بن إبراهيم قال: قال لي الأصمعي أتعرف التفاتات جرير، قلت: لا، فما هي، قال:
أتنسى إذ تـودِّعُنا سـليمى ● بفرعِ بشامةٍ? سُقي البشامُ
ومثل ذلك لجرير:
متى كان الخيام بذي طلوح ● سقيتِ الغيثَ أيتُهـا الـخـيامُ
ومعنى الالتفاتات: أنه اعترض في الكلام قوله سقيت الغيث، ولو لم يعترض لم يكن ذلك التفاتاً وكان الكلام منتظماً، وكان يقول " متى كان الخيام بذي طلوح أيتها الخيام "، فمتى خرج عن الكلام الأول ثم رجع إليه على وجه يلطف كان ذلك التفاتاً. ومثله قول النابغة الجعدي:
ألا زعمت بـنـو سـعـد بـأنـي ● ألا كذبوا كبيرُ السنِّ فإني
ومثله قول كثير:
لو أن الباذلين وانت مـنـهـم ● رأوك تعلمو منك المطالا
وكقول ابن هرمة:
ليت حظي كلحظة العين منها ● وكثير منها القليل المهنا
الرجوع
ومن الرجوع قول القائل:
بكل تداوينا فـلم يُشْـفَ ما بنا ● على أن قُرب الدار خيرٌ من البعد
وقال الأعشى:
صرمت ولم أصرمْكُمُ، وكصارم ● أخٍ قد طوى كشحاً وآبَ ليذهبـا
وكقول بشار:
لي حـــيلةٌ فـيمن ينـمُّ ● وليس في الكذاب حِيلَه
من كـان يخلُقُ ما يقـو ● لُ فـحيلتي فـيه قـليله
وقال آخر:
وما بي انتصارٌ إن غدا الدهر ظالمي ● عليَّ بلى إن كان من عندك النصرُ
التذييل
وباب آخر من البديع يسمى التذييل، وهو ضرب من التأكيد، وهو ضد ما قدمنا ذكره من الإشارة كقول أبي داود:
إذا ما عقدنا له ذمةً ● شددنا العِنَاجَ وعقدَ الكَرَب
وأخذه الحطيئة فقال:
فدعوا نَزَال فكنتَ أولَ نازلٍوعلام اركبُه اذا لم انزِ ل وكقول جرير :
لقد كنت فيها يا فرزدق تابعا ● وريش الذُنابي تابع للقوادم
التذييل في القرآن
ومثله قوله عز وجل: (إن فِرْعَونَ علا فِي الأرْضِ وجَعَلَ أهلَهَا شِيَعاً). إلى قوله تعالى: (إنه كان من المفْسِدِينَ، ونُرِيدُ أن نَمُّنَّ على الذينَ استضعفوا في الأرْضِ وَنجعَلَهُم أئمَّةَ ونجعَلَهُمُ الوارثين) إلى قوله تعالى: (كانوا خَاطئين).
التكرار
ومن البديع عندهم التكرار كقول الشاعر:
هلاّ سألت جموعَ كـن ● دةَ يومَ ولّوا أين أينا
وكقول الآخر:
وكانت فَزارة تَصلى بنا ● فأولى فزارة أولى لـهـا
التكرار في القرآن
ونظيره من القرآن: (فَإنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسراً).
وكالتكرار في قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وهذا فيه معنى زائد على التكرار لأنه يفيد الإخبار عن الغيب.
الاستثناء
ومن البديع عندهم ضرب من الاستثناء كقول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ● بِهِنَّ فلولٌ من قراع الكتائبِ
وكقول النابغة الجعدي:
فتى كملت أخلاقُهُ غير أنه ● جوادٌ فلا يُبقي من المال باقيا
فتى تَمَّ فيه ما يَسُرُّ صديقَه ● على أن فيه ما يسوءُ الأعاديا
وكقول الآخر:
حليمٌ إذا ما الحلمُ زّيَّنَ أهله ● مع الحلم في عين العدومهيبُ
وكقول أبي تمام:
تنـصـل ربـهـا مـن غـير جــرمٍ ● إليك سوى النصيحةِ والودادِ
ووجوه البديع كثيرة جداً فاقتصرنا على ذكر بعضها ونبهنا بذلك على مالم نذكر كراهة التطويل، فليس الغرض ذكر جميع أبواب البديع.



● [ هل لأبواب البديع فائدة في معرفة الإعجاز ] ●

وقد قدر مقدرون أنه يمكن استفادة إعجاز القرآن من هذه الأبواب التي نقلناها، وأن ذلك مما يمكن الاستدلال به عليه، وليس كذلك عندنا، لأن هذه الوجوه إذا وقع التنبيه عليها أمكن التوصل إليها بالتدريب والتعود والتصنع لها، وذلك كالشعر الذي إذا عرف الإنسان طريقه صح منه التعمل له، وأمكنه نظمه. والوجوه التي نقول إن إعجاز القرآن يمكن أن يعلم منها فليس مما يقدر البشر على التصنع له، والتوصل إليه بحال.
ويبين ما قلنا أن كثيراُ من المحدثين قد تصنع لأبواب الصنعة، حتى حشى جميع شعره منها، واجتهد ان لا يفوته بيت إلا وهو يملأه من الصنعة .
قوله:
لو لم يمتْ بين أطرافِ الرماحِ إذاً ● لمات إذ لم يمتْ من شدةِ الحزَنَ
وكقوله:
خشنتِ عليه أختَ بني خشين
وكقوله:
ألا لا يمدّ الـدهر كفاً بسيءٍّ ● إلى مجتدى نصر فتقطع من الزِند
وقال في وصف المطايا:
لو كان كلّفها " عبيد " حاجة ● يوماً لزنَّى شـدقـمـاً وجـديلا
وكقوله:
فضربت الشتاء في أخدعيه ● ضربة غادرته عـوداً رَكُـوبـا
غلو أبي تمام في الصنعة أعماه عن الصواب
فهذا وما أشبهه إنما يحدث من غلوه في محبة الصنعة، حتى يعميه عن وجه الصواب، وربما أسرف في المطابق والمجانس ووجوه البديع من الاستعارة وغيرها، حتى استثقل نظمه، واستوخم رصعه، وكان التكليف بارداً، والتصرف جامداً، وربما اتفق مع ذلك في كلامه النادر المليح، كما يتفق البارد القبيح.
صنعة البحتري أحسن من صنعة أبي تمام
فأما البحتري فإنه لا يرى في التجنيس ما يراه أبو تمام، ويقل التصنع له، فإذا وقع في كلامه كان في الأكثر حسناً رشيقاً وظريفاً جميلاً، وتصنعه للمطابق كثير حسن، وتعمقه في وجوه الصنعة على وجه طلب السلامة. والرغبة في السلامة، فلذلك يخرج سليماً من العيب في الأكثر.
وأما وقوف الألفاظ به عن تمام الحسنى، وقعود العبارات عن الغاية القصوى، فشيء لابد منه، وأمر لا محيص عنه، وكيف وقد وقف على من هو أجل منه، وأعظم قدراً، في هذه الصنعة، وأكبر في الطبقة: كامرىء القيس وزهير والنابغة، وإلى يومه، ونحن نبين تميز كلامهم، وانحطاط درجة قولهم، ونزول طبقة نظمهم، عن بديع نظم القرآن، في باب مفرد، يتصور به ذو الصنعة ما يجب تصوره، ويتحقق وجه الإعجاز فيه بمشيئة الله وعونه.
لا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن من البديع
ثم رجع الكلام بنا إلى ما قدمناه، من أنه لا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن من البديع الذي ادعوه في الشعر، ووصفوه به؛ وذلك أن هذا الفن ليس فيه ما يخرق العادة، ويخرج عن العرف، بل يمكن استدراكه بالتعلم، والتدرب به، والتصنع له، كقول الشعر، ورصف الخطب، وصناعة الرسالة، والحذق في البلاغة، وله طريق يسلك، ووجه يقصد، وسلم يرتقى فيه إليه، ومثال قد يقطع طالبة عليه.
قد يتعود الأديب على الصنعة فتصبح سليقة
فرب إنسان يتعود أن ينظم جميع كلامه شعراً، أو يتعود أن يكون جميع خطابه سجعاً، أو صنعة متصلة، لا يسقط من كلامه حرف، وقد يبادره به ما قد تعوده.
وأنت ترى أدباء زماننا يضيفون المحاسن في جزء، وكذلك يؤلفون أنواع البارع، ثم ينظرون فيه إذا أرادوا إنشاء قصيدة أو رسالة أو خطبة، فيحشون به كلامهم، ومن كان قد تدرب وتقدم في حفظ ذلك اشتغل عن هذا التصنيف، ولم يحتج إلى تكلف هذا التأليف، وكان ما أشرف عليه من هذا الشأن باسطاً من باع كلامه، وموشحاً بأنواع البديع ما يحاوله من قوله. وهذا طريق لا يتعذر وباب لا يمتنع، وكل يأخذ فيه مأخذاً، ويقف فيه موقفاً على قد ما معه من المعرفة، بحسب ما يمده من الطبع.
القرآن ليس له مثال يحتذي إليه
فأما القرآن فليس له مثال يحتذي إليه، ولا إمام يقتدي به، ولا يصح وقوع مثله اتفاقاً، كما يتفق للشارع البيت النادر، والكلمة الشاردة والمعنى الفذ الغريب، والشيء القليل العجيب، وكما يلحق بعض كلامه بالوحشيات، ويضاف من قوله إلى الأوابد، لأن ما جرى هذا المجرى، ووقع هذا الموقع، فإنما يتفق للشاعر في لمع من شعره، وللكاتب في قليل من رسائله، وللخطيب في يسير من خطبه. ولو كان كل شعره نادراً، ومثلاً سائراً ومعنى بديعاً، ولفظاً رشيقاً، وكل كلامه مملوء من رونقه ومائه، ومملأ ببهجته وحسن روائه، ولم يقع فيه المتوسط بين الكلامين، والمتردد بين الطرفين، ولا البارد المستثقل، والغث المستنكر: لم يبن الإعجاز في الكلام ولم يبن التفاوت العجيب بين النظام والنظام.
وهذه جملة تحتاج إلى تفصيل، ومبهم قد يحتاج في بعض إلى تفسير، وسنذكر ذلك بمشيئة الله وعونه.
اعتراض ورد
ولكن قد يمكن أن يقال في البديع الذي حكيناه وأضفناه إليهم: إن ذلك باب من أبواب البراعة، وجنس من أجناس البلاغة، وأنه لا ينفك القرآن عن فن من فنون بلاغاتهم، ولا وجه من وجوه فصاحاتهم، وإذا أورد هذا المورد ووضع هذا الموضع كان جديراً.وإنما لم نطلق القول إطلاقاً لأنا لا نجعل الإعجاز متعلقاً بهذه الوجوه الخاصة، ووقفاً عليها، ومضافاً إليها، وإن صح أن تكون هذه الوجوه مؤثرة في الجملة، آخذة بحظها من الحسن والبهجة، متى وقعت في الكلام على غير وجه التكلف المستبشع، والتعمل المستشنع.


مُختصر: كتاب إعجاز القرآن
تأليف : الباقلاني
منتديات الرسالة الخاتمة . البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 10 ديسمبر 2018 - 6:19