الفصل الثامن: كيفية الوقوف على إعجاز القرآن

شاطر

حكماء
Admin

عدد المساهمات : 1968
تاريخ التسجيل : 30/12/2013

الفصل الثامن: كيفية الوقوف على إعجاز القرآن

مُساهمة من طرف حكماء في الجمعة 23 نوفمبر 2018 - 16:14


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة علوم القرآن
الإعجاز البياني للقرآن الكريم
الفصل الثامن
في كيفية الوقوف على إعجاز القرآن


قد بينا أنه لا يتهيأ لمن كان لسانه غير العربية، من العجم والترك وغيرهم، أن يعرفوا الإعجاز البياني للقرآن، إلا أن يعلموا أن العرب الفصحاء قد عجزوا عن ذلك، فإذا عرفوا هذا بأن علموا أن الله تعالى قد تحداهم على أن يأتوا بمثله، فلما عجزوا تحداهم بأن يأتوا بعشر سور، فلما عجزوا تحداهم بأن يأتوا بسورة، فلما عجزوا تحداهم بأن يأتوا بآية من مثله وليستعينوا بالجن، فعجزوا، وإذا عجز أهل اللسان الفصحاء عن ذلك فغيرهم أعجز الى قيام الساعة.
وكذلك نقول: إن من كان من أهل اللسان العربي، إلا أنه ليس يبلغ في الفصاحة الحد الذي يتناهى إلى معرفة أساليب الكلام، ووجوه تصرف اللغة، وما يعدونه فصيحاً بلغياً بارعاً من غيره، فهو كالأعجمي: في أنه لا يمكنه أن يعرف إعجاز القرآن البيانى إلا بمثل ما بينا أن يعرف به الفارسي الذي بدأنا بذكره، وهو ومن ليس من أهل اللسان سواء.
فأما من كان قد تناهى في معرفة اللسان العربي، ووقف على طرقها ومذاهبها، فهو يعرق القدر الذي ينتهي إليه وسع المتكلم من الفصاحة، ويعرف ما يخرج عن الوسع، ويتجاوز حدود القدرة، فليس يخفى عليه إعجاز القرآن، كما يميز بين جنس الخطب والرسائل والشعر وكما يميز بين الشعر الجيد والرديء والفصيح والبديع النادر والبارع والغريب. وهذا كما يميز أهل كل صناعة صنعتهم، فيعرف الصيرفي من النقد ما يخفى على غيره، ويعرف البزاز من قيمة الثوب وجودته ما يخفى على غيره.
أهل الصنعة قد يختلفون في التقييم
وإن كان يبقى مع معرفة الشأن أمر آخر، وربما اختلفوا فيه. لأن من أهل الصنعة من يختار الكلام المتين والقول الرصين. ومنهم من يختار الكلام الذي يروق ماؤه وتروع بهجته ورواؤه، ويسلس مأخذه ويسلم وجهه ومنفذه، ويكون قريب المتناول، غير عويص اللفظ، ولا غامض المعنى. كما يختار قوم ما يغمض معناه، ويغرب لفظه، ولا يختار ما سهل على اللسان، وسبق إلى البيان.
فقد يفضل العارفون بالصنعة الصدق، كما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وصف زهيراً، فقال: كان لا يمدح الرجل إلا بما فيه،
ومنهم من يختار الغلو والإفراط،، حتى قالوا: أحسن الشعر أكذبه كقول النابغة:
يَقُدُّ السلوقِيَّ المضاعفَ نسجُه ● ويوقد بالصفّاحِ نارَ الحباحبِ
ومنهم من يختار من كان أكثر صنعة وألطف تعملاً وأن يخير الألفاظ الرشيقة للمعاني البديعة، والقوافي الواقعة. كمذهب البحتري، وعلى ما وصفه عن بعض الكتاب:
في نظام في البلاغة ما شكْ ● امـــرؤُ إنـــه نظام فـريد
وبـديع كــأنـــه الزَّهَرُ الضا ● حكُ في رونق الربيعِ الجـديد
حُزنَ مستعمل الكلام اختياراً ● وتجنبْنَ ظلمةَ التعقيد
وركبن اللفظ القريبَ فأدرك ● ـنَ غـــايةَ الــمرادِ البعيد
ويرون أن من تعدى هذا كان سالكاً مسلكاً عامياً، ولم يروه شاعراً ولا مصيباً وفيما كتب الحسن بن عبد الله أو أبو أحمد العسكري قال: أخبرني محمد بن يحيى، قال: أخبرني عبد الله بن الحسن قال: قال لي البحتري: دعاني علي بن الجهم فمضيت إليه، فأفضنا في أشعار المحدثين، إلى أن ذكرنا شعر أشجع، فقال لي: إنه يُخْلي، وأعادها مرات، ولم أفهمها، وأنفت أن أسأله عن معناها. فلما انصرفت أفكرت في الكلمة، ونظرت في شعره فإذا هو ربما مرت له الأبيات مغسولة، ليس فيها بيت رائع، وإذا هو يريد هذا بعينه، أن يعمل الأبيات فلا يصيب فيها ببيت نادر، كما أن الرامي إذا رمى برشقه فلم يصب بشيء قيل: قد أخلى.. قال: وكان علي بن الجهم أحسن الناس علماً بالشعر.
ومنهم من يميل إلى الرصين من الكلام الذي يجمع الغريب والمعاني، مثل أبي عمرو بن العلاء وخلف الأحمر والأصمعي.
ومنهم من يختار الوحشي من الشعر، كما اختار المفضل للمنصور من المفضليات. وقيل إنه اختار ذلك لميله إلى ذلك الفن.
وذكر الحسن بن عبد الله أنه أخبره بعض الكتاب عن علي بن العباس قال: حضرت مع البحتري مجلس عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: وقد سأل البحتري عن أبي نواس ومسلم بن الوليد أيهما أشعر فقال البحتري أبو نواس أشعر. فقال عبد الله: إن أبا العباس ثعلباً لا يطابقك على قولك ويفضل مسلماً، فقال البحتري: ليس هذا من عمل ثعلب وذويه من المتعاطين لعلم الشعر دون عمله، إنما يعلم ذلك من وقع في سلك الشعر إلى مضايقه، وانتهى إلى ضروراته. فقال عبيد الله: وريت بك زنادي يا أبا عبادة، وقد وافق حكمك حكم أخيك بشار بن برد في جرير والفرزدق أيهما أشعر فقال: جرير أشعرهما، فقيل له بماذا? فقال: لأن جريراً يشتد إذا شاء، وليس كذلك الفرزدق على جرير، فقال: ليس هذا من عمل أولئك القوم، إنما يعرف الشعر من يضطر إلى أن يقول مثله، وفي الشعر ضروب لم يحسنها الفرزدق، ولقد ماتت النوار امرأته فناح عليها بقول جرير:
لولا الحياء لعادني اسـتعبار ● ولزرت قبرك والحبيب يزار
وروي عن أبي عبيدة أنه قال للفرزدق: مالك لا تنسب كما ينسب جرير? فغاب حولاً ثم جاء فأنشد:
يا أخت ناجية بـن سـامة إنني ● أخشى عليك بني أن طلبوا دمي
والأعدل في اختيار ما سلكه أبو تمام، من الجنس الذي جمعه في كتاب الحماسة، وما اختاره من الوحشيات، وذلك أنه تنكر المستنكر الوحشي، والمبتذل العامي، وأتى بالواسطة.
وهذه طريقة من ينصف في الاختيار، ولا يعدل به غرض يخص. لأن الذين اختاروا الغريب فإنما اختاروه لغرض لهم في تفسير ما يشتبه على غيرهم، وإظهار التقدم في معرفته وعجز غيرهم عنه، ولم يكن قصدهم جيد الأشعار لشيء يرجع إليها في أنفسها.
خير الكلام
خير الكلام ما دل على المراد دون إفراط أو تفريط فالكلام إنما موضوع للإبانة عن الأغراض التي في النفوس، وإذا كان كذلك وجب أن يتخير من اللفظ ما كان أقرب إلى الدلالة على المراد، وأوضح في الإبانة عن المعنى المطلوب، ولم يكن مستكره المطلع على الأذن، ومستنكر المورد على النفس، حتى يتأبى بغرابته في اللفظ عن الإفهام، أو يمتنع بتعويض معناه عن الإبانة. ويجب أن يتنكب ما كان عليه اللفظ مبتذل العبارة، ركيك المعنى، سفسافي الوضع، مجتلب التأسيس على غير أصل ممهد، ولا طريق موطد.
وإنما فضلت العربية على غيرها لاعتدالها في الوضع، ولذلك وضع أصلها على أكثرها بالحروف المعتدلة، فقد أهملوا الألفاظ المستكرهة في نظمها، وأسقطوها من كلامهم، فجرى لسانهم على الأعدل.
ولذلك صار أكثر كلامهم من الثلاثي، لأنهم بدأوا بحرف وسكنوا على آخر وجعلوا حرفاً وصلة بين الحرفين، ليتم الابتداء والانتهاء على ذلك، والثنائي أقل، وكذلك الرباعي، والخماسي أقل، ولو كان كله ثنائياً لتكررت الحروف، ولو كان رباعياً أو خماسياُ لكثرت الكلمات.
وكذلك بني أمر الحروف التي ابتدئ بها السور على هذا، فأكثر هذه السور التي ابتدأت بذكر الحروف ذكر فيها ثلاثة أحرف، وما هو أربعة أحرف سورتان، وما ابتدئ بخمسة أحرف سورتان، فأما ما بدئ بحرف واحد فقد اختلفوا فيه: فمنهم من لم يجعل ذلك حرفاً وإنما جعله اسماً لشيء خاص، ومن جعل حرفاً قال: أراد أن يحقق الحروف مفردها ومنظوها.
ولضيق ما سوى كلام العرب، أو لخروجه عن الاعتدال، يتكرر في بعض الألسنة الحرف الواحد في الكلمة الواحدة والكلمات المختلفة كثيراً، كنحو تكرر الطاء والسين في لسان يونان، وكنحو الحروف الكثيرة التي هي اسم لشيء واحد في لسان الترك، ولذلك لا يمكن أن ينظم من الشعر تلك الألسنة على الأعاريض التي تمكن في اللغة العربية.
فالعربية أشدها تمكناً، وأشرفها تصرفاً وأعدلها، ولذلك جعلت حلية لنظم القرآن، وعلق بها الإعجاز، وصارت دلالة في النبوة.
وإذا كان الكلام إنما يفيد الإبانة عن الأغراض القائمة في النفوس. التي لا يمكن التوصل إليها بأنفسها، وهي محتاجة إلى ما يعبر عنها، فما كان أقرب في تصويرها، وأظهر في كشفها للفهم الغائب عنها، وكان مع ذلك أحكم في الإبانة عن المراد، وأشد تحقيقاً في الإيضاح عن الطلب، وأعجب في وضعه، وأرشق في تصرفه، وأبرع في نظمه، كان أولى وأحق بأن يكون شريفاً.
وقد شبهوا النطق بالخط، والخط يحتاج مع بيانه إلى رشاقة وصحة ولطف، حتى يحوز الفضيلة ويجمع الكمال.
وشبهوا الخط والنطق بالتصوير، وقد أجمعوا أن من أحذق المصورين من صور لك الباكي المتضاحك. والباكي الحزين، والضاحك المتباكي، والضاحك المستبشر، وكما أنه يحتاج إلى لطف يد في تصوير هذه الأمثلة، فكذلك يحتاج إلى لطف في اللسان والطبع في تصوير ما في النفس للغير.
وفي جملة الكلام ما تقصر عبارته وتفضل معانيه، وفيه ما تقصر المعاني وتفضل العبارات، وفيه ما يقع كل واحد منهما وفقاً للآخر.
ثم ينقسم ما يقع وفقاً إلى ما يفيدها على تفصيل و إلى ما يفيدها بدونه. وكل واحد منهما قد ينقسم على أن يكون كل واحد منهما بديعاً شريفاً وغريباً لطيفاَ، وقد يكون كل واحد منهما مستجلباً متكلفاً، ومصنوعاً متعسفاً، وقد يكون واحد منهما حسناً رشيقاً وبهيجاً نضيراً، وقد يتفق أحد الأمرين دون الآخر، وقد يتفق أن يسلم الكلام والمعنى من غير رشاقة ولا نضارة في واحد منهما، إنما يميز من يميز، ويعرف من يعرف، والحكم في ذلك صعب شديد، والفضل فيه شأو بعيد.
وقد قل من يميز أصناف الكلام، فقد حكي عن طبقة أبي عبيدة وخلف الأحمر وغيرهم في زمانهم أنهم قالوا؛ ذهب من يعرف نقد الشعر.
وقد بينا قبل هذا اختلاف القوم في الاختيار، وما يجب أن يجمعوا عليه ويرجعوا عند التحقيق إليه، وكلام المقتدر نمط وكلام المتوسع باب، وكلام المطبوع له طريق، وكلام المتكلف له منهاج، والكلام المصنوع المطبوع له باب.
ومتى تقدم الإنسان في هذه الصنعة لم تخف عليه هذه الوجوه، ولم تشتبه عنده هذه الطرق، فهو يميز قدر كل متكلم بكلامه، وقدر كل كلام في نفسه ويحله محله، ويعتقد فيه ما هو عليه، ويحكم فيه بما يستحق من الحكم، وإن كان المتكلم يجود في شيء دون شيء عرف ذلك منه، وإن كان يعم إحسانه عرف.
ألا ترى أن منهم من يجود في المدح دون الهجو، ومنهم من يجود في الهجو وحده، ومنهم من يجود في المدح والسخف، ومنهم من يجود في الأوصاف، والعالم لا يشذ عنه مراتب هؤلاء، ولا يذهب عليه أقدراهم، حتى أنه إذا عرف طريقة شاعر في قصائد معدودة، فأنشد غيرها من شعره، لم يشك أن ذلك من نسجه، ولم يرتب في أنه من نظمه.
كما أنه إذا عرف خط رجل لم يشتبه عليه خط حيث رآه من بين الخطوط المختلفة، وحتى يميز بين رسائل كاتب وبين رسائل غيره، وكذلك أمر الخطيب، فإن اشتبه عليه البعض فهو لاشتباه الطريقين، وتماثل الصورتين، كما قد يشتبه شعر أبي تمام بشعر البحتري في القليل الذي يترك أبو تمام فيه التصنع، ويقصد فيه التسهل، ويسلك الطريقة الكتابية، ويتوجه في تقريب الألفاظ، وترك تعويض المعاني، ويتفق له مثل بهجة أشعار البحتري وألفاظه.
ولا يخفى على أحد يميز هذه الصنعة سبك أبي نواس، ولا نسج ابن الرومي من نسج البحتري، وينبهه ديباجة شعر البحتري وكثرة مائه وبديع رونقه وبهجة كلامه، إلا فيما يسترسل فيه فيشتبه بشعر ابن الرومي ويحركه ما لشعر أبي نواس من الحلاوة والرقة والرشاقة والسلاسة، حتى يفرق بينه وبين شعر مسلم. وكذلك يميز بين شعر الأعشى في التصرف، وبين شعر امرئ القيس، وبين شعر النابغة وزهير، وبين شعر جرير والأخطل، والبعيث والفرزدق. وكل له منهج معروف، وطريق مألوف.
ولا يخفى عليه في زماننا الفصل بين رسائل عبد الحميد وطبقته، وبين طبقة من بعده، حتى إنه لا يشتبه عليه ما بين رسائل ابن العمد، وبين رسائل أهل عصره ومن بعده، ممن برع في صنعة الرسائل، وتقدم في شأوها، حتى جمع فيها بين طرق المتقدمين وطريقة المتأخرين، حتى خلص لنفسه طريقة، وأنشأ لنفسه منهاجاً، فسلك تارة طريقة الجاحظ، وتارة طريقة السجع، وتارة طريقة الأصل، وبرع في ذلك باقتداره، وتقدم بحذقه، ولكنه مع ذلك على أهل الصنعة طريقة من طريق غيره، وإن كان قد يشتبه البعض، ويدق القليل، وتغمض الأطراف، وتشذ النواحي.
وقد يتقارب سبك نفر من شعراء عصر، وتتدانى رسائل كتاب دهر، حتى تشتبه اشتباهاً شديداً، وتتماثل تماثلاً قريباً، فيغمض الفصل.
وقد يتشاكل الفرع والأصل، وذلك فيما يتعذر إدراك أمده، ولا يتصعب طلاب شأوه، ولا يتمنع بلوغ غايته، والوصول إلى نهايته. لأن الذي يتفق من الفصل بين أهل الزمان، إذا تفاضلوا وتفاوتوا في مضمار، فصل قريب، وأمر يسير.
وكذلك لا يخفى عليهم معرفة سارق الألفاظ وسارق المعاني، ولا من يخترعها ولا من يلم بها، ولا من يجاهر بالأخذ ممن يكاتم، ولا من يخترع الكلام اختراعاً ويبتدهه ابتداهاً، ممن يروى فيه، ويجيل الفكر في تنقيحه، ويصبر عليه حتى يتخلص له ما يريد، وحتى يتكرر نظره فيه.
قال أبو عبيدة: سمعت أبا عمرو يقول: زهير والحطيئة وأشباههما عبيد الشعر لأنهم نقحوه ولم يذهبوا فيه مذهب المطبوعين، وكان زهير يسمى كبر شعره الحوليات المنقحة.
ومنهم من يعرف بالبديهة، وحدة الخاطر، ونفاذ الطبع، وسرعة النظم، يرتجل القول ارتجالاً، ويطبعه عفواً صفواً، فلا يقعد به عن قوم قد تعبوا وكدوا أنفسهم وجاهدوا خواطرهم.
وكذلك لا يخفى عليهم الكلام العلوي، واللفظ المملوكي، كما لا يخفى عليهم الكلام العامي، واللفظ السوقي.
ثم تراهم ينزلون الكلام تنزيلاً، ويعطونه كيف تصرف حقوقه، ويعرفون مراتبه، فلا يخفى عليهم ما يختص به كل فاضل تقدم في وجه من وجوه النظم، من الوجه الذي لا يشاركه فيه غيره، ولا يساهمه سواه.
ألا تراهم وصفوا زهيراً، بأنه " أمدحهم وأشدهم أثر شعر "، قاله أبو عبيدة، وروى أن الفرزدق انتحل بيتاً من شعر جرير وقال: هذا يشبه شعري، فكان هؤلاء لا يخفى عليهم ما قد نسبناه إليهم من المعرفة بهذا الشأن، وهذا كما يعلم البزازون هذا الديباج عمل بتستر، وهذا لم يعمل بتستر، وأن هذا من صنعة فلان دون فلان، ومن نسج فلان دون فلان، حتى لا يخفى عليه وإن كان قد يخفى على غيره.
ثم إنهم يعلمون أيضاً من له سمت بنفسه، ومذهب برأسه، ومن يقتدي في الألفاظ أو في المعاني أو فيهما بغيره، ويجعل سواه قدوة له، ومن يلم في الأحوال بمذهب غيره، ويأتي في الأحيان بمخترعه.
وهذه أمور ممهدة عند العلماء، وأسباب معروفة عند الأدباء، وكما يقولون: إن البحتري يغير على أبي تمام إغارة، ويأخذ منه صريحاً وإشارة، ويستأنس بالأخذ منه، بخلاف ما يستأنس بالأخذ من غيره، ويألف اتباعه كما لا يألف اتباع سواه.
وكما كان أبو تمام يلم بأبي نواس ومسلم، وكما يعلم أن بعض الشعراء يأخذ من كل أحد ولا يتحاشى، ويؤلف ما يقوله من فرق شتى.
وما الذي نفع المتنبي جحوده الأخذ، وإنكاره معرفته الطائيين? وأهل الصنعة يدلون على كل حرف أخذه منهما جهاراً، أو ألمّ بهما فيه سراراً، وأما ما لم يأخذ عن الغير، ولكن سلك النمط، وراعى النهج، فهم يعرفونه، ويقولون: هذا أشبه به من التمرة بالتمرة، و أقرب إليه من الماء إلى الماء، و ليس بينهما إلا كما بين الليلة والليلة، فإذا تباينا، وذهب أحدهما في غير مذهب صاحبه، وسلك في غير جانبه، قيل: بينهما ما بين السماء والأرض، و ما بين النجم والنون، و ما بين المشرق والمغرب.
وإنما أطلت عليك، ووضعت جميعه بين يديك، لنعلم أن أهل الصنعة يعرفون دقيق هذا الشأن وجليله، وغامضه وجليه، وقريبه وبعيده، ومعوجه ومستقيمه. فكيف يخفى عليهم الجنس الذي هو بين الناس متداول، وهو قريب متناول، من أمر يخرج عن أجناس كلامهم، ويبعد عما هو في عرفهم، ويفوت مواقع قدرهم... وإذا اشتبه ذلك، فإنما يشتبه على ناقص في الصنعة، أو قاصر عن معرفة طرق الكلام الذي يتصرفون فيه، ويديرونه بينهم، ولا يتجاوزونه، فلكلامهم سبل مضبوطة، وطرق معروفة محصورة، وهذا كما يشتبه على من يدعي الشعر من أهل زماننا، والعلم بهذا الشأن، فيدعي أنه أشعر من البحتري، ويتوهم أنه أدق مسلكاً من أبي نواس، وأحسن طريقاً من مسلم، وأنت تعلم أنهما متباعدان، وتتحقق أنهما لا يجتمعان، ولعل أحدهما إنما يلحظ عبارة صاحبه، ويطالع ضياء نجمه، ويراعي حفوف جناحه، وهو راكد في موضعه، ولا يضر بالبحتري ظنه، ولا يلحقه بشأوه وهمه.
فإن اشتبه على متأدب، أو متشاعر، أو ناشىء، أو مرمد، فصاحة القرآن وموقع بلاغته، وعجيب براعته، فما عليك منه، إنما يخبر عن نقصه، ويدل على عجزه، ويبين عن جهله، ويصرح بسخافة فهمه وركاكة عقله.
علو شأن القرآن لا يخفى على ذي بصيرة
وإنما قدمنا ما قدمناه في هذا الفصل، لتعرف أن ما ادعيناه من معرفة البليغ بعلو شأن القرآن، وعجيب نظمه وبديع تأليفه، أمر لا يجوز غيره، ولا يحتمل سواه، ولا يشتبه على ذي بصيرة، ولا يخيل عند أخي معرفة، كما يعرف الفصل بين طبائع الشعراء من أهل الجاهلية وبين المخضرمين وبين المحدثين، ويميز بين من يجري على شاكلة طبعه، وغريزة نفسه، وبين من يشتغل بالتكلف والتصنع، وبين من يصير التكلف له كالمطبوع، وبين من كان مطبوعه كالتعمل المصنوع.
هيهات هيهات، هذا أمر وإن دقّ فله قوم يقتلونه علماَ؛ وأهل يحيطون به فهماً، ويعرفونه إليك إن شئت، ويصورونه لديك إن أردت، ويجعلونه على خواطرك إن أحببت، ويعرضونه لفطنتك إن حاولت، وقد قال القائل
للحرب والضرب أقوامٌ لها خُلِقُوا ● وللدواوين كُتّابٌ وحُسَّابُ
ولكل عمل رجال، ولكل صنعة ناس، وفي كل فرقة الجاهل والعالم والمتوسط، ولكن قد قلَّ من يميز هذا الفن خاصة، وذهب من يحصل في هذا الشأن إلا قليلاً.
فإن كنت ممن هو بالصفة التي وصفناها من التناهي في معرفة الفصاحات والتحقق بمجاري البلاغات، فإنما يكفيك التأمل، ويغنيك التصور، وإن كنت في الصنعة مرمداً وفي المعرفة بها متوسطاً، فلا بد لك من التقليد، ولا غنى بك عن التسليم: إن الناقص في هذه الصنعة كالخارج عنها، والشادي فيها كالبائن منها.
معرفة إعجاز القرآن
من أراد معرفة إعجاز القرآن فإننا سنضع بين يديه الأمثلة، فإن أراد أن يقرب عليه أمراً، ويفسح له طريقاً له ويفتح له باباً، ليعرف به إعجاز القرآن فإننا نضع بين يديه الأمثلة، ونعرض عليه الأساليب، ونصور له صورة كل قبيل من النظم والنثر.
ونحضر له من كل فن من القول شيئاً يتأمله حق تأمله، ويراعيه حق مراعاته، فيستدل استدلال العالم، ويستدرك استدراك الناقد، ويقطع له الفرق بين الكلام الصادر عن الربوبية، الطالع عن الإلهية، الجامع بين الحكم والحكم والأخبار عن الغيوب والغائبات، والمتضمن لمصالح الدنيا والدين والمستوعب لجلية اليقين، والمعاني المخترعة في تأسيس أصل الشريعة وفروعها، بالألفاظ الشريفة على تفننها وتصرفها.
ونعمد الى شيء من الشعر المجمع عليه فنبين وجه النقص فيه، وندل على انحطاط رتبته، ووقوع أبواب الخلل فيه، حتى إذا تأمل ذلك، وتأمل ما نذكره، من تفصيل إعجاز القرآن وفصاحته وعجيب براعته، انكشف له واتضح، وثبت ما وصفناه لديه، ووضح؛ وليعرف حدود البلاغة، ومواقع البيان والبراعة، ووجه التقدم في الفصاحة.
والبلاغة تختلف عند الأمم فقد ذكر الجاحظ في كتاب البيان والتبيين أن الفارسي سئل، فقيل له: ما البلاغة، فقال: معرفة الفصل من الوصل، وسئل اليوناني عنها فقال: تصحيح الأقسام واختيار الكلام، وسئل الرومي عنها فقال: حسن الاقتضاب عند البداهة والغزارة يوم الإطالة، وسئل الهندي عنها فقال: وضوح الدلالة وانتهاز الفرصة وحسن الإشارة.
وقال مرة: التماس حسن الموقع و المعرفة بساحات القول، وقلة الخرق بما التبس من المعاني، أو غمض وشرد من اللفظ وتعذر، وزينته أن تكون الشمائل موزونة، وألفاظ معدلة واللهجة نقية، وأن لا يكلم سيد الأمة بكلام الأمة، ويكون في قواه فضل التصرف في كل طبقة، ولا يدقق المعاني كل التدقيق، ولا ينقح الألفاظ كل التنقيح، ويصفيها كل التصفية، ويهذبها بغاية التهذيب.
وأما البراعة ففيما يذكر أهل اللغة: الحذق بطريقة الكلام وتجويده، وقد يوصف بذلك كل متقدم في قول أو صناعة.
الفصاحة
وأما الفصاحة فقد اختلفوا فيها: منهم من عبر عن معناها: بأنه ما كان جزل اللفظ حسن المعنى، وقد قيل: معناها: الاقتدار على الإبانة عن المعاني الكامنة في النفوس، على عبارات جلية ومعان نقية بهية.
والذي يصور عندك ما ضمنا تصويره، ويحصل عندك معرفته إذا كنت في صنعة الأدب متوسطاً. وفي علم العربية متبيناً، أن تنظر أولاً في نظم القرآن ثم في شيء من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فتعرف الفصل بين النظمين، والفرق بين الكلامين، فإن تبين لك الفصل. ووقعت على جلية الأمر، وحقيقة الفرق، فقد أدركت الغرض، وصادفت المقصد، وإن لم تفهم الفرق ولم تقع على الفصل، فلابد لك من التقليد، وعلمت أنك من جملة العامة، وإن سبيلك سبيل من هو خارج عن أهل اللسان.
نماذج من خطب الرسول وكتبه
خطبة للنبي صلى الله عليه وسلم
روى طلحة بن عبيد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على منبره يقول:
ألا أيها الناس، توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصِلُوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له، وكثرة الصدقة في السر والعلانية، تُرزقوا وتُؤجروا وتُنصروا.
واعلموا أن الله عز وجل قد افترض عليكم الجمعة، في مقامي هذا، في عامي هذا، في شهري هذا، إلى يوم القيامة، حياتي ومن بعد موتي. فمن تركها وله إمام فلا جمع الله له شمله. ولا بارك له في أمره، ألا ولا حجَّ له، ألا ولا صوم له، ألا ولا صدقة له، ألا ولا برَّ له، ألا ولا يؤمُ أعرابي مهاجراً، ألا ولا يؤمُ فاجرٌ مؤمناً، إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه أو سوطه.
خطبة له صلى الله عليه وسلم:
أيها الناسُ: إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم. وإن لكم نهايةَ فانتهوا إلى نهايتكم، إن المؤمن بين مخافتين: بين أجلٍ قد مضى لا يدري ما اللهُ صانعٌ فيه، وبين أجلٍ قد بقي لا يدري ما اللهُ تعالى قاضٍ عليه فيه. فليأخذِ العبدُ لنفسه من نفسه، ومن دنياه لآخرتهِ، ومن الشبيبةِ قبلَ الكِبَرَ ومن الحياة قبل الموت. والذي نفسُ محمدٍ بيده ما بعد الموت من مستعتبٍ، ولا بعدَ الدنيا دارٌ إلا الجنةُ أو النار.
خطبة له صلى الله عليه وسلم:
إن الحمد لله، أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِ اللهُ فلا مُضلَّ له ومن يُضللْ فلا هاديَ له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، إن أحسنَ الحديث كتابُ الله، قد أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أصدق الحديث وأبلغه.
أحبوا من أحب الله، وأحبوا الله من كل قلوبكم، ولا تَمَلُّوا كلامَ الله وذكرَهُ، ولا تقسو عليه قلوبُكم. اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، اتقوا الله حق تقاته، وصدقوا صالح ما تعملون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، والسلام عليكم ورحمة الله.
خطبة له صلى الله عليه وسلم في أيام التشريق:
قال بعد حمد الله:
أيها الناسُ، هل تدرون في أي شهر أنتم، وفي أي يوم أنتم، وفي أي بلد أنتم، قالوا: في يوم حرام، وشهر حرام، وبلد حرام. قال: ألا فإن دماءكم وأموالكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ كحُرْمةِ يومِكم هذا في شهرِكم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقونَهُ.
ثم قال: اسمعوا مني تعيشوا، ألا تظالموا ـ ثلاثاً ـ ألا إنه لا يحلُّ مالُ امرئ مسلم إلا بطيبِ نفسٍ منه، ألا إن كل دمِ ومالِ ومأثرةِ كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه، ألا وإن أولَ دمِ وُضع دمُ ربيعةَ بن الحارث بن عبد المطلب.
ألا وإن كل ربا كان في الجاهلية موضوعٌ، ألا وإن الله تعالى قضى أن أول ربا يُوضع ربا عمي العباس؛ ( لكم رؤوس أموالكم لا تَظْلِمُون ولا تُظْلَمُون ).
ألا وإن الزمانَ قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض، ( منها أربعةٌ حرم، ذلك الدينُ القيِّم، فلا تظلموا فيهن أنفسكم ).
ألا وإن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون ولكن في التحريش بينكم.
اتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوانِ لا يملكن لأنفسهن شيئاً، وإن لهن عليكم حقاً ولكم عليهن حقٌ، ألا يُوطِئنَ فرشَكم أحداً غيركم، فإن خفتم نشوزَّهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباَ غير مبرح، ولهن رزقُهُن وكسوتُهُن بالمعروف، فإنما أخذتموهن بأمانة الله تعالى، واستحللتم فروجهن بكلمة الله.
ألا ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها.
ثم بسط يده فقال: ألا هل بلغت، ليبلغِ الشاهدُ الغائبَ، فربَّ مبلغٍ أبلغُ من سامع.
خطبته صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة:
وقف على باب الكعبة ثم قال:
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق الله وعدَهُ ونصرَ عبدَهُ وهزمَ الأحزابَ وحدَه.
ألا كل مأثرة أو دم أو مال يُدعى فهو تحت قدميَّ هاتين إلا سدانة البيتِ وسقاية الحاج.
إلا وقتل الخطأ العمد بالسوط والعصا فيه الدية مغلظة منها أربعون خلفة في بطونها أولادها،
يا معشر قريشٍ إن الله قد أذهب عنكم نخوةَ الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم خلق من تراب، ثم تلا هذه الآية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكّرٍ وَأُنْثَى). الآية.
يا معشر قريشِ أو يا أهل مكة: ما ترون أني فاعلٌ بكم، قالوا: خيراً، أخٌ كريمٌ وابنُ أخِ، قال: فاذهبوا فأنتم الطُلَقَاءُ.
خطبته صلى الله عليه وسلم بالخيف:
روى زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب بالخيف من منى فقال:
نَضَّرَ لله عبداً سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب حاملِ فقهٍ لا فقَه له، وربَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقه منه.
ثلاثٌ لا يغُلُّ عليهن قلب المؤمن: اخلاصُ العمل لله، والنصيحةُ لأولي الأمر، ولزوم الجماعة إن دعوتهم تكون من ورائه، ومن كان همُّهُ الآخرةَ جمع الله شمله وجعل غِناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمةٌ، ومن كان همه الدنيا فرَّق الله أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأتِهِ من الدنيا إلا ما كُتِبَ له.
خطبة له صلى الله عليه وسلم:
رواها أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: خطب بعد العصر فقال:
ألا إن الدنيا خَضِرَةٌ حُلوة، ألا وإن الله مستخلفُكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء. ألا لا يمنعنَّ رجلاً مخافةُ الناس أن يقول الحق إذا علمه.
" قال: ولم يزل يخطب حتى لم تبق من الشمس إلا حُمرةٌ على أطراف السَّعَف "
فقال: إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى.
نمازج من كُتب الرسول صلى الله عليه وسلم
كتابه صلى الله عليه وسلم إلى ملك فارس:
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس
سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا ، أسلم تسلم ، فإن أبيت فعليك إثم المجوس.
كتابه صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي:
من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة
سلام عليك، إنى أحمد الله إليك ،الله الذى لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن ، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى فخلقه الله من روحه كما خلق آدم بيده ، وإنى أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل ، وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصحى، والسلام على من اتبع الهدى.
الفرق ظاهر بين بلاغة القرآن وبلاغة الرسول
لا أطول عليك، وأقتصر على ما ألقيته إليك، فإن كان ذلك في الصنعة حظ، أو كان ذلك في هذا المعنى حس، أو كنت تضرب في الأدب بسهم، أو في العربية بقسط، وإن قلَّ ذلك السهم أو نقص ذلك النصيب، فما أحسب أنه يشتبه عليك الفرق بين براعة القرآن، وبين ما نسخناه لك من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبته ورسائله، وما عساك تسمعه من كلامه، ويتساقط إليك من ألفاظه، وأقدر أنك ترى بين الكلامين بوناً بعيداً، وأمداً مديداً، وميداناً واسعاً، ومكاناً شاسعاً. على الرغم من أن الله تعالى قد اعطى رسوله صلى الله عليه وسلم مجامع الكلم وروعة البيان، فنظم القرآن من الأمر الإلهي وكلام النبي من الأمر النبوي.
فإن شبه عليك الشيطان ذلك من خبثه فقال : لعله أن يكون تعمل للقرآن وتصنع لنظمه، فتذكر عجز الفُصحاء البُلغاء، وارجع إلى عقلك واجمع لُبَّك، وتيقن أن الخطب يحتشد لها في المواقف العظام والمحافل الكبار والمواسم الضخام، ولا يتجوز فيها، ولا يستهان بها، والرسائل إلى الملوك مما يجمع لها الكاتب جراميزه، ويشمر لها عن جد واجتهاد، فكيف يقع بها الإخلال وكيف يتعرض للتفريط? فستعلم لا محالة أن نظم القرآن من الأمر الإلهي، وأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم من الأمر النبوي.
فإذا أردت زيادة في التبيين، وتقدماً في التعرف، وإشرافا على الجلية، وفوزاً بمحكم القضية، فتأمل - هداك الله - ما ننسخه لك من خطب الصحابة والبلغاء، لتعلم أن نسجها ونسج ما نقلنا من خطب النبي صلى الله عليه وسلم واحد، وسبكها سبك غير مختلف، وإنما يقع بين كلامه وكلام غيره ما يقع من التفاوت بين كلام الفصيحين، وبين شعر الشاعرين، وذلك أمر له مقدار معروف، وحد - ينتهي إليه - مضبوط.
فإذا عرفت أن جميع كلام الآدمي منهاج، ولجملته طريق، وتبينت ما يمكن فيه من التفاوت، نظرت إلى نظم القرآن نظرة أخرى، وتأملته مرة ثانية، فتراعي بعد موقعه، وعالي محله وموضعه، وحكمت بواجب من اليقين، وثلج الصدر بأصل الدين.
نماذج لبلاغة الصحابة رضى الله عنهم
خطبة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه:
قام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإني وليت أمركم، ولست بخيركم، ولكن نزل القرآن وسنّ النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلمنا فعملنا.
واعلموا أن أكيس الكَيْس التقى، وإن أحمق الحمق الفجور، وأن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه، وأن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق.
أيها الناس، إنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوموني.
عهد لأبي بكر الصديق إلى عمر رضي الله عنهما:
بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر عهده بالدنيا وأول عهد بالآخرة، ساعة يؤمن فيها الكافر ويتقي فيها الفاجر:
إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فإن برّ فذاك ظني به ورأيي فيه، وإن جار وبدل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت لكم، ولكل امرئ ما اكتسب من الإثم، (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ).
أبو بكر الصديق يتحدث إلى عبد الرحمن بن عوف:
وفي حديث عبد الرحمن بن عوف رحمة الله عليه قال: دخلت على أبي بكر الصديق رضي الله عنه في علته التي مات فيها فقلت: أراك بارئاً يا خليفة رسول الله.
فقال: أما إني على ذلك لشديد الوجع، ولما لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشد عليَّ من وجعي. إني وليت أموركم خيركم في نفسي فكلكم ورِم أنفه أن يكون له الأمر من دونه، والله لتتخذُن نضائد الديباج وستور الحرير، ولتألُمنَّ النوم على الصوف الأذربي كما يألم أحدكم النوم على حَسَك السعدان.
والذي نفسي بيده لأن يقدم أحدكم فتضرب رقبته في غير حد خير له من أن يخوض غمرات الدنيا: يا هادي الطريق جرت، إنما هو - والله - الفجر أو البحر.
قال: فقلت: خفِّض عليك يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن هذا يهيضك إلى ما بك، فو الله ما زلت صالحاً مصلحاً، لا تأسى على شيء فاتك من أمر الدنيا، ولقد تخليت بالأمر وحدك فما رأيت إلا خيراً.
نسخة كتاب أبي عبيدة ومعاذ إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
كتب أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهم:
سلام عليك فإنَّا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإنا عهدناك وأمر نفسك لك مهم، فأصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها، يجلس بين يديك الصديق والعدو، والشريف والوضيع، ولكل حصته من العدل، فانظر كيف أنت يا عمر عند ذلك، فإنا نحذرك يوماً تعنو فيه الوجوه، وتجِبُ فيه القلوب.
وإنا كنا نتحدث أن هذه الأمة ترجع في آخر زمانها أن يكون إخوان العلانية أعداء السريرة.
وأنا نعوذ بالله أن تَنْزِلَ كتابنا سوى المنزل الذي نزل من قلوبنا، فإنا إنما كتبنا إليك نصيحة لك. والسلام.
جواب عمر لأبي عبيدة ومعاذ:
فكتب إليهما: من عمر بن الخطاب، إلى أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل:
سلام عليكما، فإني أحمد إليكما الله الذي لا إله إلا هو: أما بعد فقد جاءني كتابكما تزعمان أنه بلغكما أني وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها يجلس بين يدي الصديق والعدو والشريف والوضيع، وكتبتما أن أنظر كيف أنت يا عمر عند ذلك، وإنه لا حول ولا قوة لعمر عند ذلك إلا بالله.
وكتبتما تحذراني ما حذرت به الأمم قبلنا.. وقديماً كان اختلاف الليل والنهار بآجال الناس يقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد، ويأتيان بكل موعود، حتى يصير الناس إلى منازلهم من الجنة أو النار، ثم توفّى كل نفسٍ بما كسبت إن الله سريع الحساب.
وكتبتما تزعمان أن أمر هذه الآمرة يرجع في آخر زمانها أن يكون إخوان العلانية أعداء السريرة. ولستم بذلك وليس هذا ذلك الزمان، ولكن زمان ذلك حين تظهر الرغبة والرهبة، فتكون رغبة بعض الناس إلى بعض إصلاح دينهم، ورهبة بعض الناس إصلاح دنياهم.
وكتبتما تعوذانني بالله أن أنزل كتابكما مني سوى المنزل الذي نزل من قلوبكما، وإنما كتبتما نصيحة لي. وقد صدقتكما فتعهداني منكما بكتاب، ولا غنى بي عنكما.
عهد من عهود عمر رضي الله عنه:
بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس.
سلام عليك، أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة ، فافهم إذا أُدلي إليك. فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له.
آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك.
البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً.
ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه عقلك، وهُديت لرشدك، أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل.
الفهمَ الفهمَ فيما تلجلج في صدرك، مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأشباه والأمثال، وقِس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أشبهها بالحق، واجعل لمن ادعى حقاً غائباً أو بينة أمداً ينتهي إليه فإن احضر بينته، أخذت له بحقه، وإلا استحللت عليه القضية، فإنه أنفى للشك، وأجلى للعمى.
المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلوداً في حد، أو مجرباً عليه شهادة الزور، أو ظَنيناً في ولاء أو نسب، فإن الله تولى منكم السرائر، ودرأ بالأيمان والبينات.
وإياك والغَلَق والضجر والتأذي بالخصوم، والتنكر عند الخصومات، فإن الحق في مواطن الحق يعظِّم الله به الأجر، ويحسن به الذخر، فمن صحت نيته، وأقبل على نفسه، كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تخلَّق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه شانه الله، فما ظنك بثواب الله عز وجل في عاجل رزقه وخزائن رحمته، والسلام.
ولعمر رضي الله عنه خطب مشهورة مذكورة في التاريخ لم ننقلها اختصاراً.
ومن كلام عثمان بن عفان رضي الله عنه
خطبة له رضي الله عنه:
قال: إن لكل شيء آفةً، وإن لكل نعمة عاهة، في هذا الدين عيّابون ظنانون، يظهرون لكم ما تحبون، ويسرون ما تكرهون، يقولون لكم وتقولون، طَغَام مثل النعام، يتبعون أول ناعق: أحب مواردهم إليهم النازح.
لقد أقررتم لابن الخطاب بأكثر مما نقمتم علي، ولكنه وقمكم وقمعكم، وزجركم زجر النعام المخزَّمة. والله إني لأقرب ناصراً، وأعز نفراً، وأقمن إن قلت هلم أن جاب دعوتي من عمر.
هل تفقدون من حقوقكم شيئاً فمالي لا أفعل في الحق ما أشاء؛ إذاً فلمَ كنت إماماً،
ومن كلام علي رضي الله عنه:
قال لما قبض أبو بكر رضي الله عنه ارتجت المدينة بالبكاء كيوم قبض النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء عليّ باكياً مسترجعاً وهو يقول: اليوم انقطعت خلافة النبوة.. حتى وقف على باب البيت الذي فيه أبو بكر فقال: رحمك الله أبا بكر، كنت إلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنسه وثقته وموضع سره.
كنت أول القوم إسلاماً، وأخلصهم إيماناً، وأشدهم يقيناً، وأخوفهم لله، وأعظمهم غناء في دين الله، وأحوطهم على رسوله، وأيمنهم على الإسلام، وآمِنهم على أصحابه، أحسنهم صحبة، وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق، وأرفعهم درجة، وأقربهم وسيلة، وأقربهم برسول الله صلى الله عليه وسلم سنناً وهدياً ورحمة وفضلاً، وأشرفهم منزلة، وأكرمهم عليه، وأوثقهم عنده، جزاك الله عن الإسلام وعن رسوله خيراً.
كنت عنده بمنزلة السمع والبصر، صدقت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كذّبه الناس، فسماك الله في تنزيله الصديق، فقال: (والذي جاء بالصدق وصدق به).
وآسيته حين بخلوا، وقمت معه عند المكاره حين عنه قعدوا؛ وصحبته في الشدائد أكرم الصحبة ثاني اثنين، وصاحبه في الغار، والمنزل عليه السكينة والوقار، ورفيقه في الهجرة، وخليفته في دين الله وفي أمته الخلافة حين ارتد الناس، فنهضت حين وهن أصحابك، وبرزت حين استكانوا وقويت حين ضعفوا، وقمت بالأمر حين فشلوا، ونطقت حين تبعبعوا، مضيت بنور إذ وقفوا، واتبعوك فهدوا.
وكنت أصوبهم منطقاً، وأطوالهم صمتاً، وأبلغهم قولاً، وأكثرهم رأياً، وأشجعهم نفساً، وأعرفهم بالأمور، وأشرفهم عملاً.
كنت للدين يَعْسُوباً، أولاً حين نفر عنه الناس، وآخراً حين أقبلوا، وكنت للمؤمنين أباً رحيماً إذ صاروا عليك عيالاً فحملت أثقال ما ضعفوا، ورعيت ما أهملوا، وحفظت ما أضاعوا، شمّرت إذ خنعوا، وعلوت إذ هلعوا، وصبرت إذ جزعوا، وأدركت أوتار ما طلبوا، ورجعوا رشدهم برأيك فظفروا ونالوا بك ما لم يحتسبوا.
وكنت كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم آمن الناس عليه في صحبتك وذات يدك.
وكنت كما قال ضعيفاً في بدنك، قوياً في أمر الله، متواضعاً في نفسك، عظيماً عند الله، جليلاً في أعين الناس، كبيراً في أنفسهم، لم يكن لأحد فيك مغمز، ولا لأحد مطمع ولا لمخلوق عندك هوادة، الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ له بحقه، والقوي العزيز عندك ضعيف ذليل حتى تأخذ منه الحق، القريب والبعيد عندك سواء، أقرب الناس إليك أطوعهم لله.
شأنك الحق والصدق والرفق. قولك حكم، وأمرك حزم ورأيك علم وعزم، فأبلغت وقد نهج السبيل، وسهل العسير، وأطفأت النيران، واعتدل بك الدين، وقوي الإيمان، وظهر أمر الله ولو كره الكافرون.
وأتعبت من بعدك اتعاباً شديداً، وفزت بالجد فوزاً مبيناً. فجللت عن البكاء، وعظمت رزيتك في السماء، وهدت مصيبتك الأنام فإنّا لله وإنا إليه راجعون، رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا له أمره.
فوالله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثلك أبداً، فألحقك الله بينه، ولا حرمنا أجرك، ولا أضلنا بعدك.
وسكت الناس حتى انقضى كلامه. ثم بكوا، حتى علت أصواتهم.
الفرق ظاهر بن كلام البشر وكلام الله
قد نسخت لك جملاً من كلام الصدر الأول ومحاوراتهم وخطبهم، وأحيلك فيما لم أنسخ على التواريخ والكتب المصنفة في هذا الشأن، فتأمل ذلك، وسائر ما هو مسطر من الأخبار المأثورة عن السلف وأهل البيان واللسن، والفصاحة والفطن، والألفاظ المنثورة، والمخاطبات الدائرة بينهم، والأمثال المنقولة عنهم.
ثم انظر بسكون طائر وخفض جناح وتفريغ لب وجمع عقل في ذلك، فسيقع لك الفضل بين كلام الناس وبين كلام رب العالمين، وتعلم أن نظم القرآن نظم كلام الآدميين، وتعلم الحد الذي يتفاوت بين كلام البليغ والبليغ، والخطيب والخطيب، والشاعر والشاعر، وبين نظم القرآن جملة.
وأهل العلم بالأدب والحذق بهذه الصناعة يقول: إن الكلام المنثور يتأتى فيه من الفصاحة والبلاغة ما لا يتأتى في الشعر، لأن الشعر يضيق نطاق الكلام، ويمنع القول من انتهائه، ويصده عن تصرفه على سننه. وحضره من يتقدم في صنعة الكلام فراجعه في ذلك، وذكر أنه لا يمتنع أن يكون الشعر أبلغ إذا صادف شروط الفصاحة، وأبدع إذا تضمن أسباب البلاغة.
ويشهد عندي للقول الأخير: أن معظم براعة كلام العرب في الشعر، ولا نجد في منثور قولهم ما نجد في منظومه. وإن كان قد أحدثت البراعة في الرسائل على حد لم يعهد في سالف أيام العرب، ولم ينقل من دواوينهم وأخبارهم، وهو وإن ضيق نطاق القول فهو يجمع حواشيه، ويضم أطرافه ونواحيه، فهو إذا تهذب في بابه، ووفى له جميع أسبابه، لم يقاربه من كلام الآدميين كلام، ولم يعارضه من خطابهم خطاب.
وإذا كانت الفصاحة في قول الشعر، أو لم تكن، وبينا أن نظم القرآن يزيد في فصاحته على كل نظم، ويتقدم في بلاغته على كل قول، بما يتضح به الأمر اتضاح الشمس، ويتبين به بيان الصبح. وقفت على جلية هذا الشأن.
فانظر فيما نعرضه عليك ما تعرضه، وتصور بفهمك ما نصوره، ليقع لك موقع عظيم شأن القرآن، وتأمل ما نرتبه ينكشف لك الحق.
إذا أردنا تحقيق ما ضمناه لك، فمن سبيلنا أن نعمد إلى قصيدة، متفق على كبر محلها، وصحة نظمها، وجودة بلاغتها ومعانيها، وإجماعهم على إبداع صاحبها فيها، مع كونه من الموصوفين بالتقدم في الصناعة، والمعروفين بالحذق في البراعة، فنقفك على مواضع خللها، وعلى تفاوت نظمها، وعلى اختلاف فصولها، وعلى كثرة فضولها، وعلى شدة تعسفها، وبعض تكلفها، وما تجمع من كلام رفيع، يقرن بينه وبين كلام وضيع، وبين لفظ سوقي يقرن بلفظ ملوكي، وغير ذلك من الوجوه المعلومة فى شعر الشعراء المشهود لهم بالبراعة.


مُختصر: كتاب إعجاز القرآن
تأليف : الباقلاني
منتديات الرسالة الخاتمة . البوابة



    الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 10 ديسمبر 2018 - 7:00