الحديث الأول

avatar
حكماء
Admin

عدد المساهمات : 2230
تاريخ التسجيل : 30/12/2013

الحديث الأول Empty الحديث الأول

مُساهمة من طرف حكماء في الخميس 6 ديسمبر 2018 - 9:08

الحديث الأول Game10

بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الحديث الشريف
جامع العلوم والحكم
الحديث الأول 1410
● [ الحديث الأول ] ●

عَنْ عُمَرَ - رضي الله عنه - ، قال : سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ : ( إنَّمَا الأعمَال بالنِّيَّاتِ وإِنَّما لِكُلِّ امريءٍ ما نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورَسُولِهِ فهِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورَسُوْلِهِ ومَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيْبُها أو امرأةٍ يَنْكِحُهَا(1) فهِجْرَتُهُ إلى ما هَاجَرَ إليهِ ).
رواهُ البُخاريُّ ومُسلِمٌ (2).
-------------------------
(1) في ( ص ) : ( يتزوجها ) .
(2) أخرجه: البخاري 1/2 ( 1 ) و1/21 ( 54 ) و3/190 ( 2529 ) و5/72 ( 3898 ) و7/4 ( 5070 ) و8/175 ( 6689 ) و9/29 ( 6953 )، ومسلم 6/48 ( 1907 ) ( 155 ).
وأخرجه أيضاً : ابن المبارك في " الزهد " ( 188 ) ، والطيالسي ( 37 ) ، والحميدي ( 28 ) ، وأحمد 1/25 و43 ، وأبو داود ( 2201 ) ، وابن ماجه ( 4227 ) ، والترمذي ( 1647 ) ، والبزار ( 257 ) ، والنسائي 1/58 و6/158 و7/13 وفي " الكبرى " ، له ( 78 ) و( 4736 ) و( 5630 ) ، وابن الجارود ( 64 ) ، وابن خزيمة ( 142 ) و( 143 ) و( 455 ) ، والطحاوي في " شرح المعاني " 3/96 وفي " شرح المشكل " ، له ( 5107 ) – ( 5114 ) ، وابن حبان ( 388 ) و( 389 ) ، والدارقطني 1/49-50 وفي " العلل " ، له 2/194 ، وأبو نعيم في " الحلية " 8/42 ، والقضاعي في " مسند الشهاب " ( 1 ) و( 2 ) و( 1171 ) و( 1172 ) ، والبيهقي 1/41 و298 و2/14 و4/112 و235 و5/39 و6/331 و7/341 ، والخطيب في " تاريخه " 2/244 و6/153 ، والبغوي ( 1 ) و( 206 ) ، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " 5/265 و44/119-120 و46/83 و57/290 من طرق عن يحيى بن سعيد ، به.

الشرح
هذا الحديثُ تفرَّد بروايته يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ ، عن محمَّدِ ابن إبراهيمَ التَّيميِّ ، عن علقمة بن وقَّاصٍ الَّليثيِّ ، عن عُمَر بن الخطَّابِ - رضي الله عنه - ، وليس له طريق يصحُّ غير هذا (1) الطريق ، كذا قال عليُّ بنُ المدينيِّ وغيرُه(2). وقال الخطابيُّ : لا أعلمُ خلافاً بين أهلِ الحديثِ في ذلك، مع أنَّهُ قد رُوِي من حديث أبي سعيدٍ وغيره(3).
-------------------------
(1) في ( ج ) : ( تصح غير هذه ) .
(2) منهم الترمذي والبزار وحمزة بن محمد الكناني . انظر : الجامع الكبير عقيب حديث ( 1647 ) ، ومسند البزار عقب الحديث ( 257 )، وطرح التثريب 2/3، وفتح الباري 1/15.
(3) حديث أبي سعيد أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 6/342 ، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " 65/179-180 من طريق نوح بن حبيب ، عن ابن أبي رواد ، عن مالك بن أنس ، عن زيد ابن أسلم ، عن عطاء ، عن أبي سعيد ، به.
قال الحافظ العراقي في " التقييد والإيضاح " : 101 : ( … وعن الثاني أنه لم يصح من حديث أبي سعيد الخدري ولا غيره سوى عمر ، … ثم إن حديث أبي سعيد الذي ذكره هذا المعترض صرحوا بتغليط ابن أبي رواد الذي رواه عن مالك ) ، وقال في : 102 و103 ( ثم أني تتبعت الأحاديث التي ذكرها ابن منده ، فلم أجد فيها بلفظ حديث عمر أو قريباً من لفظه بمعناه ، إلا حديثاً لأبي سعيد الخدري وحديثاً لأبي هريرة وحديثاً لأنس بن مالك وحديثاً لعلي ابن أبي طالب ، وكلها ضعيفة ).
وقال الحافظ العراقي أيضاً في " طرح التثريب " 2/4 ( حديث أبي سعيد الخدري رواه الخطابي في " معالم السنن " ، والدارقطني في " غرائب مالك " ، وابن عساكر في " غرائب مالك " من رواية عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد ، وهو غلط من ابن أبي رواد ).
وقال ابن أبي حاتم في " العلل " 1/131 : ( سئل أبي عن حديث رواه نوح بن حبيب ، عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد … فذكره وقال : قال أبي : هذا حديث باطل ، ليس له أصل ، إنما هو : مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم التيمي ، عن علقمة بن وقاص ، عن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ).
وقال الدارقطني في " العلل " 2/193 : ( رواه عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، ولم يتابع عليه ).
● [ الصفحة التالية ] ●
وقد قيل : إنَّهُ قد(1) رُوِي من طُرقٍ كثيرةٍ ، لكن لم(2) يصح من ذلك شيءٌ عندَ الحُفَّاظ.
ثمَّ رواهُ عنِ الأنصاريِّ الخلقُ الكثيرُ والجمُّ الغفيرُ ، فقيل : رواهُ عنهُ أكثرُ مِن مئتي راوٍ ، وقيل : رواه عنه سبعُ مئة راوٍ ، ومِنْ أعيانهم : مالكٌ ، والثوريُّ ، والأوزاعيُّ ، وابنُ المبارك ، واللَّيثُ بنُ سعدٍ ، وحمَّادُ بنُ زيدٍ ، وشعبةُ ، وابنُ عُيينةَ ، وغيرهم (3) .
-------------------------
(1) سقطت من ( ج ) .
(2) في ( ج ) : ( لا ) .
(3) قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " 1/15 : ( قد تواتر عن يحيى بن سعيد ، فحكى محمد بن علي بن سعيد النقاش الحافظ أنه رواه عن يحيى مئتان وخمسون نفساً ، وسرد أسماءهم أبو القاسم بن منده فجاوز الثلاثمئة ، وروى أبو موسى المديني عن بعض مشايخه مذاكرة عن الحافظ أبي إسماعيل الأنصاري الهروي ، قال : كتبته من حديث سبعمئة من أصحاب يحيى . قلت : وأنا أستبعد صحة هذا ، فقد تتبعت طرقه من الروايات المشهورة والأجزاء المنثورة منذ طلبت الحديث إلى وقتي هذا فما قدرت على تكميل المئة ) . وقال في " التلخيص " 1/218 بعد أن ذكر كلام أبي إسماعيل الهروي : ( قلت : تبعته من الكتب والأجزاء ، حتى مررت على أكثر من ثلاثة آلاف جزء ، فما استطعت أن أكمل له سبعين طريقاً ).
● [ الصفحة التالية ] ●
واتَّفقَ العُلماءُ على صحَّته وَتَلَقِّيهِ بالقَبولِ ، وبه صدَّر البخاريُّ كتابَه " الصَّحيح " ، وأقامه مقامَ الخُطبةِ له ، إشارةً منه إلى أنَّ كلَّ عملٍ لا يُرادُ به وجهُ الله فهو باطلٌ ، لا ثمرةَ له في الدُّنيا ولا في الآخرةِ ، ولهذا قال عبدُ الرَّحمانِ بنُ مهدي : لو صنَّفتُ الأبوابَ ، لجعلتُ حديثَ عمرَ في الأعمالِ بالنِّيَّةِ في كلّ بابٍ ، وعنه أنَّه قال : مَنْ أَرادَ أنْ يصنِّفَ كتاباً ، فليبدأ بحديثِ (1) ( الأعمال بالنيات )(2).
وهذا الحديثُ أحدُ الأحاديثِ التي يدُورُ الدِّين عليها (3) ، فرُويَ عنِ الشَّافعيِّ أنَّهُ قال : هذا الحديثُ ثلثُ العلمِ ، ويدخُلُ في سبعينَ باباً مِنَ الفقه (4).
-------------------------
(1) زاد بعدها في ( ص ) : ( عمر : إنما ) .
(2) قول عبد الرحمان بن مهدي هذا ذكره الترمذي في " الجامع الكبير " عقيب حديث ( 1647 ) ، والنووي في " شرح صحيح مسلم " 7/48 وفي " الأذكار " ، له : 6 ، وابن حجر في " الفتح " 1/14.
(3) في ( ص ) : ( عليها الدين ) .
(4) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 2/14 . وذكره النووي في " المجموع " 1/169 وفي " شرح صحيح مسلم " 7/48 ، والعراقي في " طرح التثريب " 2/5 ، وابن حجر في " الفتح " 1/14.
● [ الصفحة التالية ] ●
وعَنِ الإمام أحمدَ قال : أصولُ الإسلام على ثلاثة أحاديث (1) : حديث عمرَ: ( الأعمالُ بالنيات ) ، وحديثُ عائشة : ( مَنْ أحدثَ في أمرِنا هذا (2) ما ليس منهُ ، فهو ردٌّ )(3) ، وحديثُ النُّعمانِ بنِ بشيرٍ : ( الحلالُ بيِّنٌ ، والحَرامُ بَيِّنٌ ) (4). وقال الحاكمُ : حدَّثُونا عَنْ عبدِ الله بنِ أحمدَ ، عن أبيه : أنّه ذكرَ قوله عليه الصَّلاةُ والسَّلام : ( الأعمال بالنيات ) ، وقوله : ( إنّ خَلْقَ أحَدِكُم يُجْمَعُ في بطنِ أُمِّهِ أربَعينَ يوماً ) (5) ، وقوله : ( مَنْ أَحْدَث في أمرنا (6) هذا (7) ما ليس منه
فهو رَدٌّ ) فقال : ينبغي أنْ يُبدأ بهذه الأحاديثِ في كُلِّ تصنيفٍ ، فإنّها أصولُ الحديث.
وعن إسحاقَ بن راهَوَيْهِ : قال أربعةُ أحاديث هي مِنْ أُصولِ الدِّين : حديث عُمَر : ( إنّما الأعمالُ بالنِّيَّات ) ، وحديث : ( الحلالُ بيِّنٌ والحرامُ بَيِّنٌ ) ، وحديث ( إنَّ خَلْقَ أَحدِكُم يُجْمَعُ في بطنِ أمّه (8) ) ، وحديث : ( مَنْ صَنَعَ في أمرِنا شيئاً (9) ليس منه ، فهو ردٌّ ).
وروى عثمان بنُ سعيدٍ ، عن أبي عُبيدٍ ، قال : جَمَعَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - جميعَ أمر الآخرةِ في كلمةٍ : ( مَنْ أحدثَ في أمرنا ما ليس منه فهو ردٌّ ) ، وجمع أمرَ الدُّنيا كلَّه (10) في كلمةٍ : ( إنّما الأعمالُ بالنِّيات ) يدخلان في كل باب.
-------------------------
(1) انظر : طرح التثريب 2/5 ، والفتح 1/15 .
(2) سقطت من ( ج ) .
(3) سيأتي عند الحديث الخامس .
(4) سيأتي عند الحديث السادس .
(5) سيأتي عند الحديث الرابع .
(6) في ( ج ) : ( ديننا ) ، ولعله سبق قلم من الناسخ ، إذ كتب فوقها : ( أمرنا ).
(7) سقطت من ( ج ) .
(8) زاد بعدها في ( ص ) : ( أربعين يوماً ) .
(9) في ( ج ) : ( هذا ما ) بدل ( شيئاً ) .
(10) سقطت من ( ص ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وعن أبي داودَ ، قال : نظرتُ في الحديثِ المُسنَدِ ، فإذا هو أربعةُ آلافِ حديثٍ ، ثمّ نظرتُ فإذا مدارُ الأربعة آلافِ حديث على أربعةِ أحاديث : حديث النُّعمان بنِ بشيرٍ : ( الحلالُ بيِّن والحرامُ بيِّنٌ ) ، وحديث عُمَر (1) : ( إنّما الأعمالُ بالنِّيَّات ) ، وحديث أبي هريرة : ( إنّ الله طيِّبٌ لا يقبلُ إلاّ طيِّباً ، وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمرَ به المُرسلين ) الحديث (2) ، وحديث : ( مِنْ حُسنِ إسلامِ المرءِ تَركُهُ ما لا يعنيه ) (3) . قال : فكلُّ حديثٍ (4) مِنْ هذه ربعُ العلمِ (5).
-------------------------
(1) زاد بعدها في ( ص ) : ( ابن الخطاب ) .
(2) سيأتي عند الحديث العاشر .
(3) سيأتي عند الحديث الثاني عشر .
(4) في ( ص ) : ( واحد ) .
(5) ينظر قول أبي داود في " طرح التثريب " 2/5-6 ، وفي " شرح السيوطي لسنن النسائي " 7/241-242 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وعن أبي داودَ أيضاً ، قال : كتبتُ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس مئة ألف حديثٍ، انتخبتُ منها ما ضَمَّنْتُهُ هذا الكتاب - يعني كتابَ " السنن " - جمعت فيه أربعةَ آلاف(1) وثمانمئة حديثٍ (2) ، ويكفي الإنسانَ لدينه(3) مِنْ ذلك أربعةُ أحاديث : أحدُها : قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنما (4) الأعمالُ بالنِّيَّات ) ، والثاني : قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( مِنْ حُسن إسلامِ المرءِ تركُهُ ما لا يعنيه ) ، والثالث : قولُه - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يكونُ المُؤمِنُ مؤمناً حتّى لاَ يرضى لأخيه(5) إلاّ ما يرضى لنفسه ) (6) ، والرَّابع : قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( الحلال بيِّنٌ ، والحرامُ بيِّنٌ ) (7).
-------------------------
(1) زاد بعدها في ( ص ) : ( حديث ) .
(2) الموجود من الأحاديث في كتاب " السنن " لأبي داود ( 5274 ) . انظر : سنن أبي داود ط. دار الكتب العلمية ، تحقيق : محمد عبد العزيز الخالدي.
(3) سقطت من ( ص ) .
(4) سقطت من ( ج ) .
(5) زاد بعدها في ( ص ) .
(6) ورد هذا الحديث بهذا اللفظ عند السيوطي في " شرحه لسنن النسائي " ، وورد الحديث بلفظ : ( لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ، أو لجاره ما يُحب لنفسه ).
وأخرجه بهذا اللفظ : ابن المبارك في " الزهد " ( 677 ) ، والطيالسي ( 2004 ) ، وأحمد 3/176 و206 و251 و272 و278 و289 ، وعبد بن حميد ( 1175 ) ، والدارمي ( 2743 ) ، والبخاري 1/10 ( 13 ) ، ومسلم 1/49 ( 44 ) ( 70 ) و1/49 ( 45 ) ( 72 ) ، وابن ماجه ( 66 ) ، والترمذي ( 2515 ) ، والنسائي 8/115 و125 وفي " الكبرى " ، له ( 11747 ) و( 11770 ) ، وابن حبان ( 234 ) و( 235 ) ، وابن منده في " الإيمان " ( 294 ) و( 295 ) و( 296 ) و( 297 ) ، والقضاعي في " مسند الشهاب " ( 889 ) ، والبغوي ( 3474 ) من طرق عن أنس بن مالك ، به.
(7) سيأتي عند الحديث السادس .
● [ الصفحة التالية ] ●
وفي رواية أخرى عنه أنه قال : الفقه يدورُ على خمسةِ أحاديث : ( الحلال بَيِّنٌ ، والحرامُ بيِّنٌ ) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ضَررَ ولا ضِرارَ ) (1) ، وقوله إنّما (2) الأعمالُ بالنِّياتِ ) ، وقوله (3) : ( الدِّينُ النصيحةُ ) (4) ، وقوله : ( وما نهيتُكم عنه فاجتنبُوه ، وما أمرتُكم به فائتُوا مِنهُ ما استطعتم ) (5).
وفي رواية عنه ، قال : أصولُ السُّنن في كلِّ فنٍّ أربعةُ أحاديث : حديث عمر ( إنّما (6) الأعمالُ بالنّياتِ ) ، وحديث : ( الحلالُ بيِّن والحرامُ بيِّن ) ، وحديث : ( مِنْ حُسْنِ إسلامِ المرء تَركُهُ ما لا يعنيه ) ، وحديث : ( ازْهَدْ في الدُّنيا يحبكَ الله، وازهد فيما في أيدي النَّاس يُحِبك الناسُ ) (7).
وللحافظ أبي الحسن طاهر بن مفوِّز المعافري الأندلسي (8) :
عُمْدَةُ الدِّينِ عندَنا كلماتٌ . اتَّق الشُّبهَاتِ وازهَدْ ودَعْ ما
أربعٌ مِنْ كلامِ خيرِ البريَّه . لَيسَ يَعْنِيكَ واعمَلَنَّ بِنيَّه (9)
-------------------------
(1) سيأتي عند الحديث الثاني والثلاثين .
(2) سقطت من ( ج ) .
(3) زاد بعدها في ( ص ) : ( - صلى الله عليه وسلم - ) .
(4) سيأتي عند الحديث السابع .
(5) سيأتي عند الحديث التاسع .
(6) سقطت من ( ج ) .
(7) سيأتي عند الحديث الحادي والثلاثين .
(8) الأندلسي ) لم ترد في ( ص ) ، وهو الإمام الحافظ الناقد المجوّد ، أبو الحسن طاهر بن مُفوز ابن أحمد بن مُفوز المعافري الشاطبي ، تلميذ أبي عمر بن عبد البر ، وخصيصه ، وأكثر عنه وَجوَّد ، وكان فهماً ذكياً إماماً من أوعية العِلم وَفُرسان الحديث وأهل الإتقان والتحرير مع الفضل والورع والتقوى والوقار والسمت ، مولده في سنة تسع وعشرين وأربع مئة.
انظر : سير أعلام النبلاء 19/88 ، والعبر 3/305 ، وتذكرة الحفاظ 4/1222-1223.
(9) انظر : الفتوحات الربانية لابن علان 1/64 ، وشرح السيوطي لسنن النسائي 7/242.
● [ الصفحة التالية ] ●
فقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنّما الأعمالُ بالنِّيَّات ) ، وفي رواية : ( الأعمالُ بالنِّيَّة (1) ).
وكلاهما يقتضي الحصرَ على الصَّحيح ، وليس غرضنا هاهنا توجيه ذلك (2)، ولا بسط القول فيه.
وقد اختلف في تقدير قوله : ( الأعمالُ بالنياتِ ) ، فكثيرٌ مِنَ المتأخِّرين يزعُمُ أنّ تقديرَه : الأعمالُ صحيحةٌ ، أو معتَبَرةٌ ، أو مقبولة بالنِّيَّاتِ ، وعلى هذا فالأعمالُ إنّما أُرِيدَ بها الأعمالُ الشَّرعيَّةُ المفتَقِرةُ إلى النِّيَّة ، فأمّا مالا يفتقِرُ إلى النيّة كالعادات مِنَ الأكل والشرب ، واللبسِ وغيرِها ، أو مثل ردِّ الأماناتِ والمضمونات، كالودائعِ والغُصوبِ ، فلا يَحتَاجُ شيءٌ من ذلك إلى نيةٍ ، فيُخَصُّ هذا كلُّه من عمومِ الأعمال المذكورة هاهُنا.
وقال آخرون : بل الأعمال هنا على عُمومها ، لا يُخَصُّ منها شيءٌ (3) .
وحكاه بعضُهم عن الجمهور ، وكأنَّه يريدُ به جمهورَ المتقدِّمين ، وقد وقع ذلك في كلام ابن جريرٍ الطَّبَريِّ ، وأبي طالبٍ المكِّيِّ وغيرِهما من المتقدِّمين ، وهو ظاهرُ كلامِ الإمام أحمدَ.
قال في رواية حنبلٍ : أُحِبُّ لكلِّ مَنْ عَمِلَ عملاً مِنْ صلاةٍ ، أو صيامٍ ، أو صَدَقَةٍ ، أو نوعٍ مِنْ أنواعِ البِرِّ أنْ تكونَ النِّيَّةُ متقدِّمَةً في ذلك قبلَ الفعلِ ، قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : ( الأعمالُ بالنِّيَّاتِ ) ، فهذا يأتي على كلِّ أمرٍ من الأمور.
وقال الفضلُ بنُ زيادٍ: سألتُ أبا عبد الله - يعني : أحمدَ - عَنِ النِّيَّةِ في العملِ، قلت : كيف النيةُ ؟ قالَ : يُعالجُ نفسَه ، إذا أراد عملاً لا يريدُ به النّاس.
-------------------------
(1) في ( ج ) : ( بالنيات ) .
(2) سقطت من ( ص ) .
(3) قال ابن دقيق العيد : ( الذين اشترطوا النية قدّروا صحة الأعمال بالنيات أو ما يقاربه ، والذين لم يشترطوها قدّروا كمال الأعمال بالنيات أو ما يقاربه ) .
انظر : طرح التثريب 2/7.
● [ الصفحة التالية ] ●
وقال أحمدُ بنُ داودَ الحربي : حدَّث يزيدُ بن هارونَ بحديثِ عمر : ( إنّما (1)
الأعمال بالنيات ) وأحمدُ جالسٌ ، فقال أحمد ليزيدَ : يا أبا خالدٍ ، هذا الخناقُ.
وعلى هذا القول، فقيل : تقديرُ الكلام : الأعمال واقعة ، أو حاصلةٌ بالنِّيَّاتِ، فيكونُ إخباراً عن الأعمالِ الاختيارية أنّها لا تقعُ إلاّ عَنْ قصدٍ مِنَ العاملِ وهو سببُ عملها ووجودِها ، ويكونُ قولُه بعدَ ذلك : ( وإنَّما لكل امرىءٍ(2) ما نوى ) إخباراً عن حكمِ الشَّرع ، وهو أنَّ حظَّ العاملِ مِنْ عمله نيَّتُه ، فإنْ كانت صالحةً فعملُهُ صالحٌ ، فله أجرُه ، وإن كانت فاسدةً فعمله فاسدٌ ، فعليه وِزْرُهُ.
ويحتمل أن يكون التَّقدير في قوله : ( الأعمال بالنيات ) : الأعمالُ صالحةٌ ، أو فاسدةٌ ، أو مقبولةٌ ، أو مردودةٌ، أو مثابٌ عليها ، أو غير مثاب عليها ، بالنيات ، فيكونُ خبراً عن حكمٍ شرعي ، وهو أنَّ صلاحَ الأعمال وفسادَها بحسب صلاحِ النِّياتِ وفسادِها ، كقوله - صلى الله عليه وسلم - (3) : ( إنّما الأعمالُ بالخواتيم ) (4) ، أي : إنَّ صلاحَها وفسادَها وقَبُولَها وعدمَه بحسب الخاتمة.
-------------------------
(1) سقطت من ( ج ) .
(2) في ( ج ) : ( لامرىءٍ ) .
(3) زاد بعدها في ( ص ) : ( إنما لكل امرىء ما نوى . إخبار أنه لا يحصل له من عمله إلاّ ما نواه به ، فإن نوى خيراً حصل له خير ، وإن نوى شراً حصل له شر ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - ) ، وهي زيادة مكررة.
(4) أخرجه : أحمد 5/335 ، والبخاري 7/128 ( 6493 ) و8/155 ( 6607 ) ، ومسلم 1/74 ( 112 ) ( 179 ) ، وأبو عوانة 1/55 ، والقضاعي في " مسند الشهاب " ( 1167 ) ، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " 58/304 من حديث سهل بن سعد ، به.
● [ الصفحة التالية ] ●
وقوله بعد ذلك : ( وإنّما لامرىءٍ (1) ما نوى ) إخبارٌ أنَّه لا يحصلُ له مِنْ عمله إلاّ ما نواه به ، فإنْ نَوى خيراً حصل له خير ، وإنْ نَوى به (2) شرّاً حصل
له(3) شرٌّ ، وليس هذا تكريراً محضاً للجُملة الأولى ، فإنَّ الجُملةَ الأولى دلَّت على أنّ صلاحَ العمل وفسادَه بحسب النِّيَّة المقتضيةِ لإيجاده ، والجملة الثّانية دلَّت على أنّ ثوابَ العاملِ على عمله بحسب نيَّتِه الصالحة ، وأنَّ عقابَه عليه بحسب نيَّته الفاسدة ، وقد تكون نيَّتُه مباحة ، فيكون العملُ مباحاً ، فلا يحصل له به ثوابٌ ولا عقابٌ ، فالعملُ في نفسه صلاحُه وفسادُه وإباحَتُه بحسب النيّة الحاملةِ عليه، المقتضية لوجودِهِ، وثوابُ العامل وعقابُه وسلامتُه بحسب نيته التي بها صار العملُ(4) صالحاً ، أو فاسداً ، أو مباحاً.
واعلم أنّ النيَّةَ في اللُّغة نوعٌ من القَصدِ والإرادة (5) ، وإن كان قد فُرق بينَ هذه الألفاظ بما ليس هذا موضع ذكره.
والنيةُ في كلام العُلماء تقعُ بمعنيين :
أحدهما : بمعنى تمييز العباداتِ بعضها عن بعضٍ ، كتمييزِ صلاة الظُّهر مِنْ صلاةِ العصر مثلاً (6)، وتمييزِ صيام رمضان من صيام غيرِه ، أو تمييز العباداتِ مِنَ العادات (7)، كتمييز الغُسلِ من الجَنَابةِ مِنْ غسل التَّبرُّد والتَّنظُّف ، ونحو ذلك ، وهذه النيةُ هي التي تُوجَدُ كثيراً في كلامِ الفُقهاء في كتبهم.
-------------------------
(1) في ( ص ) : ( لكل امرىءٍ ) .
(2) سقطت من ( ص ) .
(3) زاد بعدها في ( ص ) : ( به ) .
(4) في ( ص ) : ( صار العمل بها ) .
(5) انظر : كتاب العين : 996 ، والصحاح 6/2516 ، ولسان العرب 14/343.
(6) سقطت من ( ص ) .
(7) في ( ص ) : ( العادات من العبادات ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
والمعنى الثاني : بمعنى تمييزِ المقصودِ بالعمل ، وهل هو لله وحده لا شريكَ له ، أم غيره ، أم الله وغيرُه(1) ، وهذه النيّة هي التي يتكلَّمُ فيها العارفُونَ في كتبهم في
كلامهم على الإخلاص وتوابعه ، وهي التي تُوجَدُ كثيراً في كلام السَّلَفِ المتقدّمين.
وقد صنَّفَ أبو بكر بنُ أبي الدُّنيا مصنَّفاً سمَّاه : كتاب ( الإخلاص والنية ) ، وإنّما أراد هذه النية، وهي النيةُ التي يتكرَّر ذكرُها في كلام النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - تارةً بلفظ النيةِ، وتارةً بلفظ الإرادة ، وتارةً بلفظٍ مُقاربٍ لذلك ، وقد جاء ذكرُها كثيراً في كتابِ الله - عز وجل - بغيرِ لفظِ النِّيَّةِ أيضا مِنَ الألفاظ المُقاربةِ لها.
وإنَّما فرَّقَ مَنْ فَرَّقَ بين النيةِ وبينَ الإرادة والقصدِ ونحوهما ؛ لظنِّهم اختصاصَ النية بالمعنى الأوَّلِ الذي يذكُرُهُ الفقهاءُ ، فمنهم من قال : النيةُ تختصُّ بفعلِ النَّاوي ، والإرادةُ لا تختصُّ بذلك ، كما يريدُ الإنسانُ مِنَ اللهِ أن يغفرَ له ، ولا ينوي ذلك.
-------------------------
(1) في ( ص ) : ( أم هو لغير الله ) بدل : ( أم غيره أم الله وغيره ).
● [ الصفحة التالية ] ●
وقد ذكرنا أنَّ النية في كلام النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وسلفِ الأمَّةِ إنَّما يُرادُ بها هذا المعنى الثاني غالباً ، فهي حينئذٍ بمعنى الإرادة ، ولذلك يُعبَّرُ عنها بلفظِ الإرادة في القرآن كثيراً ، كما في قوله تعالى : { مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ } (1)، وقوله : { تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَة } (2) ، وقوله : { مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ } (3) ، وقوله : { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً } (4) ، وقوله تعالى : { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } (5) ، وقوله : { وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } (6) ، وقوله : { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } (7) ، وقوله: { ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ
-------------------------
(1) آل عمران : 152 .
(2) الأنفال : 67 .
(3) الشورى :20 .
(4) الإسراء : 18-19 .
(5) هود :15-16 .
(6) الأنعام : 52 .
(7) الكهف : 28 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وَجْهَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ } (1).
وقد يُعَبَّرُ عنها في القرآن بلفظ ( الابتغاء ) ، كما في قوله تعالى : { إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى } (2)، وقوله : { وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ الله } (3)، وقوله : { وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ الله } (4) ، وقوله : { لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } (5).
فنفى الخيرَ عَنْ كثيرٍ ممّا يتناجى الناسُ به إلاَّ في الأمرِ بالمعروف ، وخصَّ من أفراده الصَّدقةَ ، والإصلاحَ بينَ النَّاس ؛ لعموم نفعهما ، فدلَّ ذلك على أنّ التَّناجي بذلك خيرٌ ، وأمّا الثوابُ عليهِ مِنَ اللهِ فخصّه بِمَنْ فعله ابتغاءَ مرضات الله.
-------------------------
(1) الروم : 38-39 .
(2) الليل :20 .
(3) البقرة : 265 .
(4) البقرة : 272 .
(5) النساء : 114 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وإنَّما جَعَل الأمرَ بالمعروفِ مِنَ الصَّدقة ، والإصلاح بينَ النَّاس وغيرهما خيراً ، وإنْ لم يُبْتَغَ به وجهُ اللهِ ، لما يترتَّبُ على ذلك مِنَ النَّفْعِ المُتعدِّي ، فَيَحْصُلُ به للنَّاسِ إحسانٌ وخيرٌ ، وأمّا بالنِّسبة إلى الأمر ، فإنْ قَصَدَ به وجهَ اللهِ وابتغاءَ مَرضاته كان خيراً له ، وأُثيبَ عليه ، وإنْ لم يقصدْ ذلك لم يكن خيراً له ، ولا ثوابَ له عليه ، وهذا بخلاف من صام وصلى وذكر الله ، يقصِدُ بذلك عَرَضَ الدُّنيا ، فإنّه لا خيرَ له فيه بالكُلِّيّة ؛ لأنَّه لا نفع في ذلك لصاحبه ، لما يترتّب عليه من الإثم فيه ، ولا لغيره ؛ لأنَّه لا يتعدَّى نفعُه إلى أحدٍ ، اللَّهُمَّ إلاّ أنْ يحصُلَ لأحدٍ به اقتداءٌ في ذلك.
وأمّا ما ورد في السُّنَّةِ وكلام السَّلفِ مِنْ تسمية هذا المعنى بالنِّيَّةِ ، فكثيرٌ جداً ، ونحن نذكر بعضَه ، كما خرَّج الإمام أحمدُ والنَّسائيّ مِنْ حديثِ عُبادةَ بنِ الصَّامتِ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال : ( مَنْ غَزَا في سَبيلِ الله ولم يَنْوِ إلاَّ عِقالاً ، فله ما نوى ) (1).
وخرَّج الإمام أحمد (2) من حديثِ ابنِ مسعودٍ ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إنَّ أكثرَ شُهداءِ أُمَّتي لأصْحَابُ الفُرُشِ ، ورُبَّ قتيلٍ بَيْنَ الصفَّين الله أعلم بنيَّته ).
-------------------------
(1) أخرجه : أحمد 5/315 و320 ، والنسائي 6/24 وفي " الكبرى " ، له ( 4346 )
و( 4347 ) .
وأخرجه أيضاً : الدارمي ( 2421 ) ، وعبد الله بن أحمد في " زياداته " 5/329 ، وابن حبان
( 4638 ) ، والحاكم 2/109 ، والبيهقي 6/331 ، وإسناده ضعيف ؛ فإنَّ يحيى بن الوليد بن عبادة مجهول لم يرو عنه غير جبلة بن عطية .
(2) في " مسنده " 1/397 ، وإسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة .
● [ الصفحة التالية ] ●
وخَرَّج ابنُ ماجه (1) من حديث جابر ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( يُحْشَرُ النَّاسُ على نيَّاتِهم ) ، ومن حديث أبي هريرة ، عَنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إنَّما يُبْعَثُ النَّاسُ على نِيَّاتِهم ) (2).
وخَرَّج ابنُ أبي الدُّنيا من حديثِ عمر ، عَنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إنَّما يُبعَثُ المقتتلون على النِّيَّاتِ ) (3).
وفي " صحيح مسلم " (4) عن أمِّ سلمةَ ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( يعوذُ عائذٌ بالبيتِ ، فيُبعَثُ إليه بعثٌ ، فإذا كانوا ببيداءَ مِنَ الأرضِ خُسِفَ بهم ) ، فقلت : يا رسولَ اللهِ ، فكيف بمَنْ كان كارهاً ؟ قال : ( يُخْسَفُ به معهم ، ولكنَّه يُبعَثُ يومَ القيامة على نيَّته ).
-------------------------
(1) في " سننه " ( 4230 ) ، وإسناده ضعيف لضعف شريك بن عبد الله النخعي .
(2) أخرجه ابن ماجه ( 4229 ) .
وأخرجه أيضاً : أحمد 2/392 ، وأبو يعلى ( 6247 ) ، وتمام في " فوائده " ( 1744 ) ، وإسناده ضعيف لضعف ليث بن أبي سليم وشريك النخعي .
(3) أخرجه : أبو يعلى في " المسند الكبير " كما في " المطالب العالية " ( 1877 ) ، وابن عدي في " الكامل " 6/227 ، وتمام في " فوائده " ( 1743 ) ، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " 19/274 و20/220 ، وهو حديث منكر لتفرد عمرو بن شمر الكذاب به ، وقد ساقه ابن عدي في منكراته .
تنبيه : جاء في بعض الروايات لفظ ( المسلمون ) بدل ( المقتتلون ) .
(4) الصحيح 8/166 ( 2882 ) ( 4 ) و8/167 ( 2882 ) ( 5 ).
وأخرجه أيضاً: أحمد 6/289 و290 و316 و317 و318 و323 ، وأبو داود ( 4289 ) ، وابن ماجه ( 4056 ) ، والترمذي ( 2171 ) ، وأبو يعلى ( 6926 ) ، وابن حبان ( 6756 ) ، والطبراني في " الكبير " 23/( 734 ) و( 735 ) و( 736 ) و( 984 ) و( 985 ) من طرق عن أم سلمة.
● [ الصفحة التالية ] ●
وفيه أيضاً عَنْ عائشة ، عَنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - معنى هذا الحديث ، وقال فيه : ( يهلِكون مَهْلِكاً واحداً ، ويَصدُرُونَ مصادرَ شتَّى ، يبعثُهم الله على
نيَّاتهم ) (1).
وخرّج الإمام أحمد وابنُ ماجه مِنْ حديث زيدِ بن ثابتٍ ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( مَنْ كانتِ الدُّنيا همَّه فرّق الله عليه أمره ، وجَعَلَ فقرَه بين عينيه ، ولم يأتِهِ من الدُّنيا إلا ما كُتِبَ له، ومَنْ كَانَتِ الآخرةُ نيَّته جمَعَ الله له أمرَه ، وجعل غِناه في قلبِه، وأتته الدُّنيا وهي راغمةٌ ) . لفظُ ابنِ ماجه ، ولفظُ أحمد : ( مَنْ كان همُّه الآخرة ، ومن كانت نيَّته الدُّنيا ) (2) ، وخرَّجه ابن أبي الدنيا (3) ، وعنده : ( من كانت نيته الدنيا ، ومن كانت نيته الآخرة ).
وفي " الصَّحيحين " عن سعد بن أبي وقَّاصٍ ، عَنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إنَّكَ لن تُنفِقَ نفقةً تبتغي بِها وجهَ اللهِ إلاَّ أُثِبْتَ عليها ، حتَّى اللُّقمَة تجعلُها في فيِّ امرأتك ) (4)
-------------------------
(1) أخرجه : مسلم 8/168 ( 2884 ) ( 8 ) .
... وأخرجه أيضاً : أحمد 6/105 و259 ، والبخاري 3/86 ( 2118 ) ، وابن حبان ( 6755 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 5/11 من طرق عن عائشة ، به.
(2) أخرجه : أحمد 5/183 ، وابن ماجه ( 4105 ).
وأخرجه أيضاً : الدارمي ( 235 ) ، وأبو داود ( 3660 ) ، والترمذي ( 2656 ) ، وابن أبي عاصم في " السنة " ( 94 ) ، والطحاوي في " شرح المشكل " (1600) ، وابن حبان (67) و(680) ، والطبراني في " الكبير " ( 4890 ) و( 4891 ) من طرق عن زيد بن ثابت ، به ، وهو حديث صحيح.
(3) في كتاب الإخلاص : 58.
(4) أخرجه : البخاري 1/22 ( 56 ) و2/103 ( 1295 ) و4/3 ( 2742 ) و5/87 ( 3936 ) و5/225 ( 4409 ) و7/155 ( 5668 ) و8/99 ( 6373 ) و8/187 ( 6733 ) ، ومسلم 5/71 ( 168 ) ( 5 ).
... وأخرجه أيضاً : مالك في " الموطأ " ( 2219 ) برواية يحيى الليثي ، والطيالسي ( 195 ) و( 196 ) و( 197 ) ، وعبد الرزاق ( 16357 ) و( 16358 ) ، والحميدي ( 66 ) ، وأحمد 1/172 و173 و176 و179 ، وعبد بن حميد ( 133 ) ، والدارمي ( 3198 ) و( 3199 ) ، وأبو داود ( 2864 ) ، والترمذي ( 2116 ) ، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " ( 1090 ) ، وأبو يعلى ( 727 ) و( 747 ) و( 834 )، وابن الجارود ( 947 ) ، والطحاوي في " شرح المشكل " ( 2627 ) و( 2628 ) و( 5221 ) و( 5222 ) ، وابن حبان ( 4249 ) و(6026)، وأبو نعيم في " معرفة الصحابة " ( 533 )، والبيهقي 6/268 ، والبغوي ( 1458 ) من طرق عن سعد بن أبي وقاص ، به.
● [ الصفحة التالية ] ●
وروى ابنُ أبي الدُّنيا بإسنادٍ منقطعٍ عن عُمَر ، قال : لا عَمَلَ لِمَنْ لا نيَّةَ له ، ولا أجْرَ لمَنْ لا حِسْبَةَ لهُ ، يعني : لا أجر لمن لم يحتسبْ ثوابَ عمله عندَ الله - عز وجل -.
وبإسنادٍ ضعيفٍ عن ابنِ مسعودٍ ، قال : لا ينفعُ قولٌ إلاَّ بعملٍ ، ولا ينفعُ قولٌ وعملٌ إلاَّ بنيَّة ، ولا ينفعُ قولٌ وعملٌ ونيَّةٌ إلاَّ بما وافق السُّنَّةَ.
وعن يحيى بن أبي كثير ، قال : تعلَّموا النِّيَّة ، فإنَّها أبلغُ من العَمَلِ (1).
وعن زُبَيدٍ اليامي ، قال : إنِّي لأحبُّ أن تكونَ لي نيَّةٌ في كلِّ شيءٍ ، حتى في الطَّعام والشَّراب ، وعنه أنَّه قال : انْوِ في كلِّ شيءٍ تريدُه الخيرَ ، حتى خروجك إلى الكُناسَةِ (2).
وعن داود الطَّائيِّ (3) ، قال : رأيتُ الخيرَ كلَّه إنَّما يجمعُه حُسْنُ النِّيَّة ، وكفاك به خيراً وإنْ لم تَنْصَبْ . قال داود : والبِرُّ هِمَّةُ التَّقيِّ ، ولو تعلَّقت جميع جوارحه بحبِّ الدُّنيا لردَّته يوماً نيَّتُهُ إلى أصلِهِ.
وعن سفيانَ الثَّوريِّ ، قال : ما عالجتُ شيئاً أشدَّ عليَّ من نيَّتي ؛ لأنَّها تتقلَّبُ
عليَّ (4).
-------------------------
(1) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 3/70 .
(2) أخرج القول الثاني : الدينوري في " المجالسة " ( 3533 ) ، وابن عربي في " محاضرة الأبرار " 2/293.
(3) هو أبو سليمان ، داود بن نصير الطائي ، اشتغل بالعلم مدة ودرس الفقه وغيره من العلوم ثم اختار بعد ذلك العزلة ، وآثر الانفراد والخلوة ولزم العبادة واجتهد فيها إلى آخر عمره ، مات بالكوفة سنة ستين ومئة ، وقيل سنة خمس وستين ومئة .
انظر : سير أعلام النبلاء 7/422 ، والأنساب 3/247-248.
(4) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 7/5 و62 ، وفيه كلمة ( نفسي ) بدل كلمة ( نيتي ).
● [ الصفحة التالية ] ●
وعن يوسُفَ بن أسباط ، قال : تخليصُ النِّيةِ مِنْ فسادِها أشدُّ على العاملينَ مِنْ طُولِ الاجتهاد (1).
وقيل لنافع بن جُبير : ألا تشهدُ الجنازةَ ؟ قال : كما أنتَ حتَّى أنوي ، قال : ففكَّر هُنَيَّة ، ثم قال : امضِ (2).
وعن مطرِّف بن عبدِ الله قال : صلاحُ القلب بصلاحِ العملِ ، وصلاحُ العملِ بصلاحِ النيَّةِ (3).
وعن بعض السَّلَف قال : مَنْ سرَّه أن يَكْمُلَ له عملُه ، فليُحسِن نيَّته ، فإنَّ الله
- عز وجل - يأجُرُ العَبْدَ إذا حَسُنَت نيَّته حتى باللُّقمة.
وعن ابن المبارك ، قال : رُبَّ عملٍ صغيرٍ تعظِّمهُ النيَّةُ ، وربَّ عمل كبيرٍ تُصَغِّره النيَّةُ.
وقال ابن عجلان : لا يصلحُ العملُ إلاَّ بثلاثٍ : التَّقوى لله ، والنِّيَّةِ الحسنَةِ ، والإصابة.
وقال الفضيلُ بنُ عياضٍ : إنَّما يريدُ الله - عز وجل - منكَ نيَّتَك وإرادتكَ.
وعن يوسف بن أسباط ، قال : إيثارُ الله - عز وجل - أفضلُ من القَتل في سبيله.
خرَّج ذلك كلَّه ابنُ أبي الدُّنيا في كتاب " الإخلاص والنيَّة ".
وروى فيه بإسنادٍ منقطعٍ عن عُمَر - رضي الله عنه - ، قال : أفضلُ الأعمال أداءُ ما افترضَ الله - عز وجل - ، والورعُ عمّا حرَّم الله - عز وجل - ، وصِدْقُ النِيَّة فيما عندَ اللهِ - عز وجل -.
-------------------------
(1) أخرجه: الدينوري في " المجالسة " ( 1946 ) و( 3424 )، وابن عربي في " محاضرة الأبرار " 2/323.
(2) أخرجه : الدينوري في " المجالسة " ( 3532 ) ، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " 4/306.
(3) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 2/199 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وبهذا يعلم معنى ما رُوي عن الإمامِ أحمدَ : أنَّ أُصولَ الإسلام ثلاثةُ أحاديث : حديثُ : ( الأعمال بالنِّيَّات ) ، وحديثُ : ( مَنْ أحدثَ في أمرِنا ما ليس منه فهو رَدٌّ ) ، وحديثُ : ( الحلالُ بَيِّن والحرامُ بيِّن ) . فإنّ الدِّين كلَّه يَرجعُ إلى فعل المأموراتِ ، وترك المحظورات ، والتَّوقُّف عن الشُّبُهاتِ ، وهذا كلُّه تضمَّنه حديثُ النُّعمان بن بشيرٍ.
وإنَّما يتمُّ ذلك بأمرين :
أحدهما : أنْ يكونَ العملُ في ظاهره على موافقَةِ السُّنَّةِ ، وهذا هو الذي تضمَّنه حديثُ عائشة : ( مَنْ أحدَثَ في أمرنا ما ليس منه فهو رَدٌّ ) (1).
والثاني : أنْ يكونَ العملُ في باطنه يُقْصَدُ به وجهُ الله - عز وجل - ، كما تضمَّنه حديث عمر : ( الأعمالُ بالنِّيَّاتِ ).
وقال الفضيلُ في قوله تعالى : { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } (2) ، قال : أخلصُه وأصوبُه . وقال : إنَّ العملَ إذا كان خالصاً ، ولم يكن صواباً ، لم يقبل ، وإذا كان صواباً ، ولم يكن خالصاً ، لم يقبل حتّى يكونَ خالصاً صواباً ، قال : والخالصُ إذا كان لله - عز وجل - ، والصَّوابُ إذا كان على السُّنَّة (3).
وقد دلَّ على هذا الذي قاله الفضيلُ قولُ الله - عز وجل - : { فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً } (4).
وقال بعضُ العارفينَ: إنَّما تفاضَلُوا بالإرادات ،ولم يتفاضَلُوا بالصَّوم والصَّلاة .
وقولُه - صلى الله عليه وسلم - : ( فَمَنْ كانت هجرتُهُ إلى اللهِ ورسولِه ،فهجرتُهُ إلى الله ورسولِهِ ، وَمَنْ كانت هجرتُه إلى دنيا يُصيبُها، أو امرأةٍ ينكِحُها ، فهجرتُه إلى ما هاجرَ إليه ).
-------------------------
(1) سيأتي عند الحديث الخامس .
(2) الملك : 2 .
(3) ذكره البغوي في " تفسيره " 5/124-125 .
(4) الكهف : 110 .
● [ الصفحة التالية ] ●
لما ذكر - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الأعمالَ بحسبِ النِّيَّاتِ ، وأنَّ حظَّ العاملِ من عمله نيَّتُه مِنْ خيرٍ أو شرٍّ ، وهاتانِ كلمتانِ جامِعتانِ ، وقاعِدَتانِ كلِّيَّتانِ ، لا يخرُجُ عنهما شيءٌ ، ذكر بعدَ ذلك مثالاً من أمثال الأعمال التي صُورتُها واحدةٌ ، ويختلِفُ صلاحُها وفسادُها باختلافِ النِّيَّاتِ ، وكأنَّه يقول : سائرُ الأعمالِ على حَذوِ هذا المثال.
وأصلُ الهجرةِ : هِجرانُ بلدِ الشِّرك ، والانتقالُ منه إلى دارِ الإسلام ، كما كانَ المهاجرونَ قَبلَ فتحِ مكَّة يُهاجرون منها إلى مدينة (1) النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وقد هاجرَ مَنْ هاجَرَ منهم قبلَ ذلك إلى أرض الحبشة إلى النَّجاشيِّ.
فأخبرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ هذه الهجرةَ تختلفُ باختلافِ النيات والمقاصدِ بها (2) ، فمن هاجَرَ إلى دار الإسلام حُبّاً لله ورسولِهِ ، ورغبةً في تعلُّم دينِ الإسلام ، وإظهارِ دينِه حيث كان يعجزُ عنه في دارِ الشِّركِ ، فهذا هو المهاجرُ إلى الله ورسوله حقاً ، وكفاه شرفاً وفخراً أنَّه حصل له ما نواه من هجرتِهِ إلى الله ورسوله.
ولهذا المعنى اقتصرَ في جوابِ هذا الشرط على إعادتِهِ بلفظه ؛ لأنَّ حُصولَ ما نواه بهجرته نهايةُ المطلوب في الدُّنيا والآخرة.
ومن كانت هجرتُهُ من دارِ الشِّرك إلى دارِ الإسلام لطَلَبِ دُنيا يُصيبها ، أو امرأةٍ ينكِحُها في دارِ الإسلام ، فهجرتُهُ إلى ما هاجرَ إليه مِنْ ذلكَ ، فالأوَّل تاجرٌ ، والثَّاني خاطب ، وليسَ واحدٌ منهما بمهاجرٍ.
وفي قوله : ( إلى ما هاجرَ إليه ) تحقيرٌ لِمَا طلبه من أمر الدُّنيا ،واستهانةٌ به ، حيث لم يذكره بلفظه . وأيضاً فالهجرةُ إلى اللهِ ورسولِهِ واحدةٌ فلا تعدُّد فيها ، فلذلك أعادَ الجوابَ فيها بلفظ الشَّرط.
-------------------------
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) سقطت من ( ص ) .

avatar
حكماء
Admin

عدد المساهمات : 2230
تاريخ التسجيل : 30/12/2013

الحديث الأول Empty تابع شرح الحديث الأول

مُساهمة من طرف حكماء في الإثنين 7 يناير 2019 - 9:41

● [ الصفحة التالية ] ●

والهجرةُ لأمور الدُّنيا لا تنحصِرُ ، فقد يُهاجِرُ الإنسانُ لطلبِ دُنيا مُباحةٍ تارةً ، ومحرَّمةٍ أخرى ، وأفرادُ (1) ما يُقصَدُ بالهجرةِ من أُمورِ الدُّنيا لا تنحصِرُ ، فلذلك قال : ( فهجرتُهُ (2) إلى ما هاجرَ إليه ) ، يعني : كائناً ما كان .
وقد رُويَ عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما في قوله تعالى : { إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ } الآية (3) . قال : كانت المرأةُ إذا أتت النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حلَّفها بالله : ما خرجت من بُغضِ زوجٍ ، وبالله : ما خرجت رغبةً بأرضٍ عنْ
أرضٍ(4)، وبالله : ما خرجت التماسَ دُنيا ، وبالله : ما خرجت إلاَّ حباً لله ورسوله . خرجهُ ابنُ أبي حاتم (5) ، وابنُ جريرٍ (6) ، والبزَّارُ في " مسنده " (7) ، وخرَّجه الترمذي في بعض نسخ كتابه مختصراً .
وقد روى وكيعٌ في كتابه عن الأعمش ، عن شقيقٍ - هو أبو وائلٍ - قال : خطبَ أعرابيٌّ مِنَ الحيِّ امرأةً يقال لها : أم قيسٍ . فأبت أن تزوَّجَهُ حتى يُهاجِرَ ، فهاجَرَ ، فتزوَّجته ، فكُنَّا نُسمِّيه مهاجرَ أُم قيسٍ . قال : فقال عبدُ الله - يعني : ابن مسعود - : مَنْ هاجَر يبتغي شيئاً ، فهو له .
-------------------------
(1) كلمة : ( أفراد ) سقطت من ( ص ) .
(2) سقطت من ( ص ) .
(3) الممتحنة : 10 .
(4) في ( ص ) : ( من رغبة من أرض إلى أرض ) .
(5) في " تفسيره " 10/3350 ( 18867 ) .
(6) في " تفسيره " ( 26310 ) ، وطبعة التركي 22/575 .
(7) 2272 ) كشف الأستار ، وهو حديث ضعيف . انظر : مجمع الزوائد 7/123 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وهذا السِّياقُ يقتضي أنَّ هذا لم يكن في عهدِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، إنَّما كان في عهدِ ابنِ مسعودٍ ، ولكن رُوي مِنْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ ، عَن الأَعمشِ ، عن أبي وائلٍ ، عن ابن مسعود ، قال : كان فينا رجلٌ خطبَ امرأةً يقال لها : أم قيسٍ ، فأبت أنْ تزوَّجَه حتَّى يهاجِرَ ، فهاجَرَ ، فتزوَّجها ، فكنَّا نسمِّيه مهاجرَ أمِّ قيسٍ . قال ابنُ مسعودٍ : مَنْ هاجرَ لشيءٍ (1) فهو له (2) .
وقد اشتهرَ أنَّ قصَّةَ مُهاجرِ أمِّ قيسٍ هي(3) كانت سببَ قولِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : ( مَنْ كانت هجرتُه إلى دُنيا يُصيبُها أو امرأةٍ ينكِحُها ) ، وذكر ذلك كثيرٌ من المتأخِّرين في كُتُبهم ، ولم نر لذلك أصلاً بإسنادٍ يصحُّ ، والله أعلم (4) .
وسائر الأعمال كالهجرةِ في هذا المعنى ، فصلاحُها وفسادُها بحسب النِّيَّة الباعثَةِ عليها ، كالجهادِ والحجِّ وغيرهما ، وقد سُئِلَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن اختلاف نيَّاتِ النَّاس في الجهاد وما يُقصَدُ به من الرِّياء ، وإظهار(5) الشَّجاعة والعصبيَّة ، وغير ذلك : أيُّ ذلك في سبيل الله ؟ فقال : ( مَنْ قاتَل لِتَكونَ كلمةُ اللهِ هي العليا ، فهو في سبيل الله ) فخرج بهذا كلُّ(6) ما سألوا عنه من المقاصد الدُّنيوية .
-------------------------
(1) في ( ص ) : ( يبتغي شيئاً ) .
(2) أخرجه : الطبراني في " المعجم الكبير " ( 8540 ) .
(3) سقطت من ( ص ) .
(4) قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " 1/14 تعقيباً على هذه القصة : ( لكن ليس فيه أنَّ حديث الأعمال سيق بسبب ذلك ، ولم أر في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك ) .
(5) سقطت من ( ص ) .
(6) سقطت من ( ص ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
ففي " الصحيحين " عن أبي موسى الأشعريِّ : أنَّ أعرابياً أتى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يا رسول الله : الرَّجُلُ يُقاتِلُ للمَغْنمِ ، والرَّجلُ يُقاتِل للذِّكر ، والرَّجُلُ يقاتِل ليُرى مكانُهُ ، فمن في سبيل الله ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( مَنْ قَاتَل لتكُونَ كلمةُ اللهِ هي العُليا ، فهو في سبيل الله ) (1) .
وفي رواية لمسلم : سُئِلَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عنِ الرَّجُلِ يُقَاتلُ شجاعةً ، ويقاتِلُ حميَّةً (2) ، ويقاتل رياءً ، فأيُّ ذلك في سبيل الله ؟ فذكرَ الحديث .
وفي رواية له أيضاً : الرَّجُلُ يقاتِلُ غضباً ، ويُقاتلُ حَمِيَّةً .
-------------------------
(1) صحيح البخاري 1/42 ( 123 ) و4/24 ( 2810 ) و4/105 ( 3126 ) و9/166 ( 7458 ) ، وصحيح مسلم 6/46 ( 1904 ) ( 149 ) و( 150 ) .
وأخرجه أيضاً : الطيالسي ( 487 ) و( 488 ) ، وعبد الرزاق ( 9567 ) ، وسعيد بن منصور في " سننه " ( 2543 ) ، وأحمد 4/392 و401 و405 و417 ، وعبد بن حميد ( 553 ) ، وأبو داود ( 2517 ) و( 2518 ) ، وابن ماجه ( 2783 ) ، والترمذي ( 1646 ) ، والنسائي 6/23 وفي " الكبرى " ، له ( 4344 ) ، والطحاوي في " شرح المشكل " ( 5106 ) ، وابن حبان ( 4636 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 7/128 ، والبيهقي 9/167 و168 ، والبغوي ( 2626 ) من طرق عن أبي موسى الأشعري ، به .
(2) الحمية : هي الأنفة والغيرة والمحاماة عن عشيرته . انظر : شرح صحيح مسلم 7/45 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وخَرَّج النَّسائيُّ من حديث أبي أُمامة ، قال : جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : أرأيت رجلاً غزا يلتمِسُ الأجرَ والذِّكْرَ ، ما لَهُ ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1) : ( لا شيءَ له ) ، ثمَّ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنَّ (2) الله لا يقبلُ من العملِ إلاَّ ما كانَ خالصاً ، وابتُغي به وجهُهُ ) (3) .
وخرَّج أبو داود (4) من حديث أبي هريرة : أنَّ رجلاً قال : يا رسول اللهِ ، رجلٌ يريدُ الجِهادَ وهو يبتغي عَرَضاً مِنْ عَرَضِ(5) الدُّنيا ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا أجر له ) فأعاد عليه ثلاثاً ، والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( لا أجر له ) .
وخرَّج الإمام أحمدُ وأبو داود منْ حديثِ مُعاذِ بنِ جبلٍ ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( الغزوُ غَزوانِ ، فأمَّا من ابتغى وجهَ الله ، وأطاعَ الإمام ، وأنفق الكريمةَ (6) ، وياسرَ الشَّريكَ ، واجتنبَ الفسادَ ، فإنَّ نومَهُ ونَبهَهُ أجرٌ كلُّه ، وأمَّا مَنْ غَزا فخراً ورياءً وسُمعةً ، وعصى الإمام ، وأفسدَ في الأرض ، فإنَّه لم يرجع
بالكفاف ) (7)
-------------------------
(1) عبارة : ( رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) لم ترد في ( ص ) .
(2) إن ) سقطت من ( ص ) .
(3) في " المجتبى " 6/25 وفي " الكبرى " ، له ( 4348 ) .
وأخرجه أيضاً : الطبراني في " الكبير " ( 7628 ) من حديث أبي أمامة ، به، وهو حديث قويٌّ .
(4) في " سننه " ( 2516 ) ، وقد أخرجه من طريق ابن المبارك ، وهو عنده في " الجهاد " ( 227 ) ، وقد أخرج الحديث أحمد 2/293 ، وابن حبان ( 4637 ) ، والحاكم 2/85 ، والبيهقي 9/169 ، وإسناده ضعيف لضعف ابن مكرز فقد جهله علي بن المديني وغيره .
(5) سقطت من ( ص ) .
(6) أي : العزيزة على صاحبها . النهاية 3/167 .
(7) أخرجه : أحمد 5/234 ، وأبو داود ( 2515 ) .
وأخرجه : عبد بن حميد ( 109 ) ، والدارمي ( 2422 ) ، وابن أبي عاصم في " الجهاد " ( 133 ) و( 134 ) ، والنسائي 6/49-50 و7/155 وفي " الكبرى " ، له ( 4379 ) و( 7818 ) و( 8730 ) ، والشاشي في " مسنده " ( 1394 ) ، والطبراني في " الكبير " 20/( 176 ) وفي مسند " الشاميين " ، له ( 1159 ) ، والحاكم 2/85 ، وأبو نعيم في " الحلية " 5/220 ، والبيهقي 9/168 وفي " شعب الإيمان " ، له ( 4265 ) من طريق معاذ بن جبل ، به ، وهو ضعيف بقية بن الوليد ليس بالقوي ، وهو يدلس تدليس التسوية ، ولا يقبل منه إلاّ أن يصرح بالسماع في جميع طبقات السند ، ولم يصرح ، وحديثه هذا معلول بالوقف .
أخرجه : مالك في " الموطأ " ( 1340 ) برواية يحيى الليثي ، عن معاذ بن جبل ، به موقوفاً .
● [ الصفحة التالية ] ●
وخرَّج أبو داود(1) من حديث عبدِ الله بنِ عمرٍو قال : قلتُ : يا رسول الله ، أخبرني عن الجهاد والغزو ، فقال(2) : ( إنْ قاتلت صابراً محتسباً ، بعثك الله صابراً محتسباً ، وإنْ قاتلتَ مُرائياً مُكاثراً ، بعثَك الله مُرائياً مُكاثراً ، على أيِّ حالٍ قَاتَلْتَ أو قُتِلْتَ بعثكَ الله على تِيك الحالِ ) .
وخرَّج مسلمٌ (3)
-------------------------
(1) في " سننه " ( 2519 ) .
وأخرجه أيضاً : الحاكم 2/85 و112 ، والبيهقي 9/168 من حديث عبد الله بن عمرو ، به ، وإسناده ضعيف ؛ فإنَّ العلاء بن عبد الله مقبول حيث يتابع ولم يتابع ، وشيخه حنان بن خارجة مجهول تفرد بالرواية عنه العلاء ، وقد جهله أبو الحسن بن القطان والذهبي .
(2) زاد بعدها في ( ص ) : ( رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) .
(3) في صحيحه 6/47 ( 1905 ) ( 152 ) .
وأخرجه : ابن المبارك في " الزهد " ( 469 ) ، وأحمد 2/321 ، والبخاري في " خلق أفعال العباد "( 42 ) ، والترمذي ( 2382 ) ، والنسائي 6/23 وفي " الكبرى " ، له ( 4345 ) و( 8083 ) و( 11559 ) وفي " تفسيره " ( 579 ) وفي " فضائل القرآن " ، له ( 108 ) ، وابن خزيمة ( 2482 ) ، وابن حبان ( 408 ) ، والحاكم 1/418-419 ، وأبو نعيم في " الحلية " 5/169 ، والبيهقي 9/168 ، والبغوي ( 4143 ) من طرق عن أبي هريرة ، به .
● [ الصفحة التالية ] ●
من حديثِ أبي هريرةَ - رضي الله عنه - : سمعتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( إنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقضى يومَ القيامةِ عليه(1) رجلٌ استُشهِدَ ، فأُتِي به ، فعرَّفه نِعَمَهُ عليه (2)، فعرفها ، قال : فما عَمِلتَ فيها ؟ قالَ : قاتلتُ فيكَ حتّى استُشْهِدتُ ، قالَ : كذبتَ ، ولكنَّكَ قاتلتَ ؛ لأنْ يُقَالَ : جَريءٌ ، فقد قيل ، ثمَّ أُمِرَ به ، فسُحِبَ على وجهه ، حتى أُلقي في النَّارِ ، ورجلٌ تعلَّم العلمَ وعلَّمه ، وقرأَ القُرآن ، فأُتِي به ، فعرَّفه نِعَمَهُ عليه (3) فعرَفها ، قال : فما عملتَ فيها ؟ قال : تعلَّمتُ العِلمَ وعلَّمتُه ، وقرأتُ فيكَ(4) القرآنَ . قال : كذبتَ ، ولكنَّك تعلَّمتَ العلمَ ، ليُقال : عالمٌ ، وقرأتَ القرآنَ ليقال : قارىءٌ ، فقد قيلَ ، ثمَّ أُمِر به ، فسُحِب على وجهه حتّى أُلقي في النّار ، ورجلٌ وسَّع الله عليه ، وأعطاه من أصنافِ المال كلِّه ، فأُتي به ، فعرَّفه نِعَمَهُ عليه (5) ، فعرفها ، قال : فما عَمِلتَ فيها ؟ قال : ما تركتُ من سبيلٍ تُحبُّ أن يُنفقَ فيها إلاَّ أنفقتُ فيها لكَ ، قال : كذبتَ ، ولكنَّك فعلتَ ، ليُقالَ : هو جوادٌ ، فقد قيلَ ، ثمَّ أُمِر به ، فسُحب على وجهه ، حتى أُلقي في النار ) .
-------------------------
(1) في ( ص ) : ( يقضى عليه يوم القيامة ) .
(2) عليه ) من ( ص ) فقط .
(3) عليه ) من ( ص ) فقط .
(4) سقطت من ( ص ) .
(5) عليه ) من ( ص ) فقط .
● [ الصفحة التالية ] ●
وفي الحديث : إنَّ معاويةَ لمَّا بلغه هذا الحديثُ(1) ، بكى حتَّى غُشِي عليه ، فلمَّا أفاق ، قال : صدَقَ الله ورسولُه ، قال الله - عز وجل - : { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّار } (2) .
وقد وردَ الوعيدُ على تعلُّم العِلم لغيرِ وجه الله ، كما خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود وابنُ ماجه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( مَنْ تعلَّم عِلماً مِمَّا يُبتَغى به وجهُ الله ، لا يتعلَّمُه إلاَّ ليُصيبَ بهِ عَرَضاً من الدُّنيا ، لم يَجِدْ عَرْفَ الجنَّة يومَ القيامَةِ ) يعني : ريحها (3) .
وخرَّج الترمذيُّ (4)
-------------------------
(1) في ( ص ) : ( سمعه ) مكان : ( بلغه هذا الحديث ) .
(2) هود : 15-16 .
(3) أخرجه : أحمد 2/338 ، وأبو داود ( 3664 ) ، وابن ماجه ( 252 ) .
وأخرجه أيضاً : أبو الحسن القطان في " زياداته على سنن ابن ماجه " بإثر الحديث ( 252 ) ، وأبو يعلى ( 6373 ) ، وابن حبان ( 78 ) ، والحاكم 1/85 ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 1770 ) ، والخطيب في " تاريخه " 5/347 و8/78 ، وإسناده ضعيف لضعف فليح بن سليمان ، وقد خولف في هذا الحديث فرواه من هو أقوى منه مرسلاً ، قال الإمام الدارقطني : ( المرسل أشبه بالصواب ) . العلل الواردة في الأحاديث النبوية 11/10 س ( 2087 ) .
(4) في " الجامع الكبير " ( 2654 ) .
وأخرجه أيضاً : العقيلي في " الضعفاء " 1/104 ، وابن حبان في " المجروحين " 1/133-134 ، والطبراني في " الكبير " 19/( 199 ) ، وابن عدي في " الكامل " 1/541 ، وابن الجوزي في " العلل المتناهية " ( 86 ) ، وقال الترمذي : ( غريب لا نعرفه إلاَّ من هذا الوجه ، وإسحاق بن يحيى بن طلحة ليس بذاك القوي عندهم ، تكلم فيه من قبل حفظه ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
من حديثِ كعبِ بن مالك ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( مَنْ طَلَب العلمَ ليُمارِي به السُّفهَاء ، أو يُجاري به العُلَماء ، أو يَصرِفَ به وجُوهَ النَّاسِ إليه ، أدخله الله النَّار ) .
وخرَّجه ابن ماجه (1) – بمعناه - مِنْ حديث(2) ابن عمر ، وحذيفةَ ، وجابرٍ ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (3)، ولفظُ حديث جابرٍ : ( لا تَعَلَّموا العِلمَ ، لتُباهُوا به العُلماءَ ، ولا لِتُماروا به السُّفَهاءَ ، ولا تَخَيَّروا به المجالس ، فَمَنْ فعل ذلك ، فالنَّارَ النَّارَ ) .
وقال ابنُ مسعودٍ : لا تعلَّموا العِلمَ لثلاثٍ : لِتُماروا به السُّفَهاء ، أو لِتُجادِلوا به الفُقهاء ، أو لتصرفوا بهِ وُجُوه النَّاس إليكم ، وابتغُوا بقولِكُم وفعلِكم ما
عندَ اللهِ (4)، فإنَّه يبقَى ويذهبُ ما سواهُ (5) .
وقد ورد الوعيدُ على العمل لغيرِ اللهِ عموماً ، كما خرَّج الإمامُ أحمدُ (6)
-------------------------
(1) في " سننه " ( 253 ) من حديث ابن عمر ، و( 254 ) من حديث جابر بن عبد الله ، و( 259 ) من حديث حذيفة .
وأخرجه : ابن حبان ( 77 ) ، والحاكم 1/86 من حديث جابر بن عبد الله ، به ، وكلها ضعيفةٌ ، وبعضهم قوى الحديث بالمجموع ، والله أعلم .
(2) سقطت من ( ص ) .
(3) بعد هذا في ( ص ) : ( جاء ) .
(4) في ( ص ) : ( وجه الله ) .
(5) ذكره ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 1/176 .
(6) في مسنده 5/134 .
وأخرجه : عبد الله بن أحمد في " زياداته " 5/134 ، وابن حبان ( 405 ) ، والحاكم 4/311 و318 ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 6833 ) و( 6834 ) و( 10335 ) وفي " دلائل النبوة " ، له 6/317-318 ، والبغوي ( 4144 ) و( 4145 ) .وهو حديث قويٌّ .
● [ الصفحة التالية ] ●
من حديثِ أبيّ بن كعبٍ - رضي الله عنه - ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( بَشِّرْ هذه الأمَّةَ بالسَّناء والرِّفْعَة والدِّين والتمكينِ (1) في الأرض ، فمن عَمِلَ منهُم عملَ الآخرةِ للدُّنيا ، لم يكنْ له في الآخرةِ (2) نصيبٌ ) .
واعلم أنَّ العمل لغيرِ الله أقسامٌ : فتارةً يكونُ رياءً محضاً ، بحيثُ لا يُرادُ به سوى مراآت المخلوقين لغرضٍ دُنيويٍّ ، كحالِ المنافِقين في صلاتهم ، كما قال الله - عز وجل - : { وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إلاَّ قَلِيلاً } (3) .
وقال تعالى : { فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ } الآية (4) .
وكذلك وصف الله تعالى الكفار بالرِّياء في قوله : { وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله } (5) .
وهذا الرِّياءُ المحضُ لا يكاد يصدُرُ من مُؤمنٍ في فرض الصَّلاةِ والصِّيامِ ، وقد يصدُرُ في الصَّدقةِ الواجبةِ أو الحجِّ ، وغيرهما من الأعمال الظاهرةِ ، أو التي يتعدَّى نفعُها ، فإنَّ الإخلاص فيها عزيزٌ ، وهذا العملُ لا يشكُّ مسلمٌ أنَّه حابِطٌ ، وأنَّ صاحبه يستحقُّ المقتَ مِنَ اللهِ والعُقوبة (6) .
-------------------------
(1) في ( ص ) : ( والتمكين والدين ) .
(2) زاد بعدها في ( ص ) : ( من ) .
(3) النساء : 142 .
(4) الماعون : 4-6 .
(5) الأنفال : 47 .
(6) روي أنَّ لقمان قال لابنه : الرياء أنْ تطلب ثواب عملك في دار الدنيا ، وإنَّما عمل القوم للآخرة ، قيل له : فما دواء الرياء ؟ قال : كتمان العمل ، قيل له : فكيف يكتم العمل ؟ قال : ما كلفت إظهاره من العمل فلا تدخل فيه إلا بالإخلاص ، وما لم تكلف إظهاره أحب ألا تطلع عليه إلا الله . انظر : تفسير القرطبي 5/182 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وتارةً يكونُ العملُ للهِ ، ويُشارِكُه الرِّياءُ ، فإنْ شارَكَهُ مِنْ أصله ، فالنُّصوص الصَّحيحة تدلُّ على بُطلانِهِ وحبوطه أيضاً (1).
وفي " صحيح مسلم " (2) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( يقولُ الله تبارك وتعالى : أنا أغنى الشُّركاءِ (3) عن الشِّرك ، مَنْ عَمِل عملاً أشركَ فيه معي غيري ، تركته وشريكَه ) ، وخرَّجه ابنُ ماجه (4) ، ولفظه : ( فأنا منه بريءٌ ، وهوَ للَّذي أشركَ ) .
وخرَّج الإمام أحمد (5) عن شدّاد بن أوسٍ ، عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( مَنْ صَلَّى يُرائِي ، فقد أشرَكَ ، ومنْ صَامَ يُرائِي فقد أشرَكَ ، ومن تَصدَّقَ يُرائِي فقد أشرك ، وإنَّ الله - عز وجل - يقولُ : أنا خيرُ قسيمٍ لِمَنْ أشرَكَ بي شيئاً ، فإنَّ جُدَّةَ عَمَلِهِ قليله وكثيره لشريكِهِ الذي أشركَ به ، أنا عنه غنيٌّ ) .
وخرَّج الإمام أحمدُ (6) والترمذيُّ (7) وابنُ ماجه (8)
-------------------------
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) 8/223 ( 2985 ) ( 46 ) .
(3) في ( ج ) و( ص ) : ( الأغنياء ) ، والمثبت من " صحيح مسلم " .
(4) في " سننه " ( 4202 ) .
... وأخرجه : الطيالسي ( 2559 ) ، وأحمد 2/301 و435 ، وأبو يعلى ( 6552 ) ، وابن خزيمة ( 938 ) ، وابن حبان ( 395 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 6815 ) ، والبغوي ( 4136 ) و( 4137 ) وهو صحيح .
(5) في " مسنده " 4/126 .
وأخرجه : الطيالسي ( 1120 ) ، والطبراني في " الكبير " ( 7139 ) ، والحاكم 4/329 ، وأبو نعيم في " الحلية " 1/268-269 ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 6844 ) وإسناده ضعيف لضعف شهر بن حوشب .
(6) في "مسنده" 3/466 و4/215، وهو حديث قويٌّ ، وقال علي بن المديني : ( سنده صالح ).
(7) في " الجامع الكبير " ( 3154 ) .
(8) في " سننه " ( 4203 ) .
وأخرجه أيضاً : الدولابي في " الكنى والأسماء " 1/35 ، وابن حبان ( 404 ) و( 7345 ) ، والطبراني في " الكبير " 22/( 778 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
مِنْ حديث أبي سعيد بن أبي فضالةَ - وكان مِنَ الصَّحابة - قال : قالَ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا جمع الله الأوَّلين والآخِرين ليومٍ لا ريبَ فيه ، نادَى مُنادٍ : مَنْ كانَ أشركَ في عملٍ عمِلَهُ لله - عز وجل - فليَطلُبْ ثوابَهُ من عند غير الله - عز وجل - ، فإنّ الله أغنى الشُّركاءِ عن الشِّرك ) .
وخرَّج البزّار في " مسنده " (1) من حديثِ الضَّحَّاكِ بن قيسٍ ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إنَّ الله - عز وجل - يقول : أنا خيرُ شريكٍ ، فمن أشركَ معي شريكاً ، فهو لشريكي . يا أيُّها النَّاسُ أخلِصوا أعمالَكُم لله - عز وجل - ؛ فإنَّ الله لا يقبلُ مِنَ الأعمالِ إلاَّ ما أُخْلِصَ لَهُ ، ولا تقولوا : هذا للهِ وللرَّحِمِ ، فإنّها للرَّحِم ، وليس لله منها شيءٌ ، ولا تقولوا : هذا لله ولوجُوهِكُم ، فإنَّها لوجوهكم ، وليس لله فيها شيءٌ (2) ) .
وخرَّج النَّسائيُّ (3) بإسنادٍ جيِّدٍ عن أبي أُمامةَ الباهليِّ : أنَّ رجُلاً جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال : يا رسولَ اللهِ ، أرأيتَ رجلاً غزا يلتَمِسُ الأجْرَ والذِّكر(4) ؟ فقالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا شيءَ لهُ ) فأعادها ثلاث مرات ، يقول له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (5) : ( لا شيء له ) ، ثمَّ قال : ( إنَّ الله لا يقبلُ منَ العَمَل إلاَّ ما كانَ له خالصاً ، وابتُغِي به وجهُه ) .
-------------------------
(1) 3567 ) ، وفي إسناده ضعف من أجل إبراهيم بن مجشر .
(2) من قوله : ( ولا تقولوا : هذا لله ولوجوهكم ... ) إلى هنا لم يرد في ( ص ) .
(3) في " المجتبى " 6/25 وفي " الكبرى " ، له ( 4348 ) ، وقد حسنه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء 6/2410-2411 ( 3839 ) .
(4) في ( ص ) : ( الأجر من الله والذكر من الناس ) .
(5) في ( ص ) : ( فأعادها ثلاثاً ورسول الله يقول ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وَخَرَّج الحاكمُ (1) مِنْ حديث ابن عباس قال (2) : قال رجل : يا رسول الله ، إني أقف الموقف أُريد به وجْه الله ، وأريدُ أنْ يُرى موطِني ، فلم يردَّ عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا حتّى نزلت : { فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً } (3) .
وممَّن رُوي عنه هذا المعنى ، وأنَّ العملَ إذا خالطه شيءٌ مِنَ الرِّياءِ كان
باطلاً (4) : طائفةٌ مِنَ السَّلفِ، منهم : عبادةُ بنُ الصَّامتِ ، وأبو الدَّرداءِ ، والحسنُ ، وسعيدُ بنُ المسيَّبِ ، وغيرهم .
وفي مراسيلِ القاسم بنِ مُخَيمرة ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( لا يَقبَلُ الله عملاً فيه مثقالُ حبَّةِ خردلٍ مِنْ رياءٍ ) (5) .
ولا نعرفُ عنِ السَّلفِ في هذا خلافاً ، وإنْ كانَ فيه خلافٌ عن بعضِ المتأخِّرينَ .
-------------------------
(1) في " المستدرك " 2/111 من حديث نعيم بن حماد ، عن ابن المبارك ، عن معمر ، عن عبد الكريم الجزري، عن طاووس ، عن ابن عباس مرفوعاً ، وهو معلول بالإرسال ، ونعيم ضعيف .
وأخرجه : ابن المبارك في " الجهاد " ( 12 ) ، وعبد الرزاق في " تفسيره " ( 1728 ) ، والطبري في " تفسيره " ( 17654 ) وطبعة التركي 15/440 ، والحاكم 4/329 من طريق طاووس ، مرسلاً ، وهو الصواب فكذا رواه ابن المبارك في كتابه " الجهاد " وقد تابعه على ذلك عبد الرزاق .
(2) قال ) من ( ص ) .
(3) الكهف : 110 .
(4) زاد بعدها في ( ص ) : ( قاله ) .
(5) ذكره المنذري في " الترغيب والترهيب " ( 51 ) عن القاسم بن مخيمرة ، وهو ضعيف لإرساله .
وأخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 8/240 من كلام يوسف بن أسباط .
● [ الصفحة التالية ] ●
فإنْ خالطَ نيَّةَ الجهادِ مثلاً نيّة غير الرِّياءِ ، مثلُ أخذِ أجرة للخِدمَةِ ، أو أخذ شيءٍ مِنَ الغنيمةِ ، أو التِّجارة ، نقصَ بذلك أجرُ جهادهم ، ولم يَبطُل بالكُلِّيَّة ، وفي " صحيح مسلم " (1) عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إنَّ الغُزَاةَ إذا غَنِموا غنيمةً ، تعجَّلوا ثُلُثي أجرِهِم ، فإنْ لم يغنَمُوا شيئاً ، تمَّ لهُم أجرُهم ).
وقد ذكرنا فيما مضى أحاديثَ تدلُّ على أنَّ مَنْ أراد بجهاده عَرَضاً مِنَ الدُّنيا أنَّه لا أجرَ له ، وهي محمولةٌ على أنَّه لم يكن له غرَضٌ في الجهاد إلاَّ الدُّنيا .
وقال الإمامُ أحمدُ : التَّاجِرُ والمستأجر والمُكاري أجرهم على قدر ما يخلُصُ من نيَّتهم في غزاتِهم ، ولا يكونُ مثل مَنْ جاهَدَ بنفسه ومالِه لا يَخلِطُ به غيرَهُ .
وقال أيضاً فيمن يأخذُ جُعْلاً على الجهاد : إذا لم يخرج لأجلِ الدَّراهم فلا بأس أنْ يأخذَ ، كأنّه خرجَ لدينِهِ ، فإنْ أُعطي شيئاً أخذه .
وكذا رُوي عن عبد الله بن عمرٍو ، قال : إذا أجمعَ أحدُكم على الغزوِ ، فعوَّضَه الله رزقاً ، فلا بأسَ بذلك ، وأمَّا إنْ أحَدُكُم إنْ أُعطي درهماً غزا ، وإنْ مُنع درهماً مكث ، فلا خيرَ في ذلك .
وكذا قال الأوزاعي : إذا كانت نيَّةُ الغازي على الغزو ، فلا أرى بأساً .
-------------------------
(1) 6/47 ( 1906 ) ( 153 ) و( 154 ) .
وأخرجه أيضاً : أحمد 2/169 ، وأبو داود ( 2497 ) ، وابن ماجه ( 2785 ) ، والنسائي 6/17-18 وفي " الكبرى " ، له ( 4333 ) ، والحاكم 2/78 ، والبيهقي 9/169 وفي " شعب الإيمان " ، له ( 4245 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وهكذا يُقالُ فيمن أخذَ شيئاً في الحَجِّ ليحُجَّ به : إمَّا(1) عَنْ نفسه ، أو عَنْ غيرِه ، وقد رُوي عَنْ مُجاهد أنّه قال في حجِّ الجمَّال وحجِّ الأجيرِ وحجِّ التَّاجِر : هو تمامٌ لا يَنقُصُ من أُجُورهم شيءٌ ، وهذا محمولٌ على أنَّ قصدهم الأصليَّ كان هو الحجَّ دُونَ التَّكسُّب.
وأمَّا إنْ كان أصلُ العمل للهِ ، ثم طرأت عليه نيَّةُ الرِّياءِ ، فإنْ كان خاطراً ودفَعهُ ، فلا يضرُّه بغيرِ خلافٍ ، وإن استرسلَ معه ، فهل يُحبَطُ(2) عملُه أم لا يضرُّه ذلك ويجازى على أصل نيَّته ؟ في ذلك اختلافٌ بين العُلماءِ مِنَ السَّلَف قد حكاه الإمامُ أحمدُ وابنُ جريرٍ الطَّبريُّ ، ورجَّحا أنَّ عمله لا يبطلُ بذلك ، وأنّه يُجازى بنيَّتِه الأُولى ، وهو مرويٌّ عنِ الحسنِ البصريِّ وغيره .
ويُستدلُّ لهذا القولِ بما خَرَّجه أبو داود في " مراسيله " (3) عن عطاءٍ الخُراسانيِّ : أنَّ رجلاً قال : يا رسولَ الله، إنّ بنِي سلمِةَ كُلهم يقاتلُ ، فمنهم من يُقاتِلُ للدُّنيا، ومنهم من يُقاتِلُ نَجدةً ، ومنهم مَنْ يُقاتِلُ ابتغاءَ وجهِ الله ، فأيُّهُم الشهيد ؟ قال
: ( كلُّهم إذا كان أصلُ أمره أنْ تكونَ كلمةُ اللهِ هي العُليا ) .
وذكر ابنُ جريرٍ أنَّ هذا الاختلافَ إنَّما هو في عملٍ يرتَبطُ آخرُه
بأوَّلِه ، كالصَّلاةِ والصِّيام والحجِّ ، فأمَّا ما لا ارتباطَ فيه كالقراءة والذِّكر وإنفاقِ المالِ ونشرِ العلم، فإنَّه ينقطعُ بنيَّةِ الرِّياءِ الطَّارئة عليه، ويحتاجُ إلى تجديدِ نيةٍ .
-------------------------
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) زاد بعدها في ( ص ) : ( به ) .
(3) برقم ( 321 ) ، وهو مع إرساله ضعيف من جهة إسناده ، ففيه هشام بن سعد ، وهو صاحب أوهام ، وعطاء يهم كثيراً ويرسل ويدلس . التقريب ( 4600 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وكذلك رُوي عن سُليمانَ بنِ داود الهاشميّ(1) أنَّه قال : ربَّما أُحدِّثُ بحديثٍ
ولي(2) نيةٌ ، فإذا أتيتُ على بعضِه ، تغيَّرت نيَّتي ، فإذا الحديثُ الواحدُ يحتاجُ إلى
نيَّاتٍ (3) .
ولا يَرِدُ على هذا الجهادُ ، كما في مُرسل عطاءٍ الخراساني (4) ، فإنَّ الجهادَ يلزَم بحُضورِ الصَّفِّ ، ولا يجوزُ تركُه حينئذٍ ، فيصيرُ كالحجِّ .
فأمَّا إذا عَمِلَ العملَ لله(5) خالصاً ، ثم ألقى الله لهُ الثَّناء الحسنَ في قُلوبِ المؤمنين بذلك ، ففرح بفضل الله ورحمته ، واستبشرَ بذلك ، لم يضرَّه ذلك .
وفي هذا المعنى جاء حديثُ أبي ذرٍّ ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، أنَّه سُئِلَ عن الرَّجُل يعملُ العَمَل لله مِنَ الخير ويحمَدُه النَّاسُ عليه ، فقال : ( تلك عاجلُ بُشرى المؤمن ) خرَّجه مسلم(6)
-------------------------
(1) هو أبو سليمان بن داود بن داود بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي ، سكن بغداد ، قال محمد بن سعد : كتب عنه البغداديون ورووا عنه ، وتوفي ببغداد سنة تسع وعشرين ومئتين ، وقال أبو حسان الزيادي : مات سنة عشرين ومئتين .
انظر : تاريخ بغداد 9/30-31 ، وتهذيب الكمال 3/275 .
(2) زاد بعدها في ( ص ) : ( فيه ) .
(3) أخرجه : الخطيب في " تاريخه " 9/31 ، وذكره المزي في " تهذيب الكمال " 3/275 ، والذهبي في " السير " 10/625 .
(4) الذي سبق قبل قليل .
(5) لفظ الجلالة لم يرد في ( ص ) .
(6) في " صحيحه " 8/44 ( 2642 ) ( 166 ) .
وأخرجه أيضاً : الطيالسي ( 455 ) ، وأحمد 5/156 و157 و168 ، والبزار في
" مسنده " ( 3955 ) و( 3956 ) ، وأبو عوانة كما في " إتحاف المهرة " 14/155 ( 17552 ) ، وابن حبان ( 366 ) و( 367 ) و( 5768 ) ، والبغوي ( 4139 ) و( 4140 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وخرَّجه ابن ماجه(1)، وعنده : الرَّجُلُ يعمَلُ العملَ للهِ فيحبُّه النَّاسُ عليه . وبهذا المعنى فسَّره الإمامُ أحمدُ ، وإسحاقُ بن راهويه ، وابنُ جريرٍ الطَّبريّ (2)، وغيرهم(3) .
وكذلك الحديثُ الذي خرَّجه الترمذيُّ وابنُ ماجه مِنْ حديثِ أبي هريرةَ : أنَّ رجُلاً قال : يا رسول الله ، الرَّجُلُ يعملُ العملَ فيُسِرُّهُ ، فإذا اطُّلع عليه أعجَبهُ ، فقال : ( له أجران : أجرُ السِّرِّ ، وأجرُ العلانيةِ ) (4) .
ولنقتَصِر على هذا المقدار مِنَ الكلامِ على الإخلاصِ والرِّياء ، فإنَّ فيه كفايةً .
وبالجملةِ ، فما أحسن قولَ سهلِ بن عبد الله التُّستري : ليس على النَّفس شيءٌ أشقُّ مِنَ الإخلاصِ ؛ لأنَّه ليس لها فيه نصيبٌ .
وقال يوسفُ بنُ الحسينِ الرازيُّ : أعزّ شيءٍ في الدُّنيا الإخلاصُ ، وكم اجتهد في إسقاطِ الرِّياءِ عَنْ قلبي ، وكأنَّه ينبُتُ فيه على لون آخر .
-------------------------
(1) في " سننه " ( 4225 ) .
(2) قال النووي في " شرح صحيح مسلم " 8/359 : ( قال العلماء : معناه هذه البشرى المعجلة له بالخير ، وهي دليل على رضاء الله تعالى عنه ، ومحبته له ، فيحببه إلى الخلق كما سبق في الحديث، ثم يوضع له القبول في الأرض . هذا كله إذا حمده الناس من غير تعرض منه لحمدهم، وإلا فالتعرض مذموم ) .
(3) سقطت من ( ص ) .
(4) أخرجه : ابن ماجه ( 4226 ) ، والترمذي ( 2384 ) .
وأخرجه : الطيالسي ( 2430 ) ، والبخاري في " التاريخ الكبير " 2/210 ، وابن حبان ( 375 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 8/250 ، والبغوي ( 4141 ) ، وهو معلول بالإرسال كذا أعله الترمذي والدارقطني وأبو نعيم ، وانظر : علل الدارقطني 8/183 س ( 1499 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
● وقال ابنُ عيينةَ : كان من دُعاء مطرِّف بن عبد الله : اللهمَّ إنِّي أستغفرُكَ ممَّا تُبتُ إليكَ منه ، ثمّ عُدتُ فيه ، وأستغفرُكَ ممَّا جعلتُهُ لكَ على نفسي ، ثمَّ لم أفِ لك به ، وأستغفركَ ممَّا زعمتُ أنِّي أردتُ به وجهَك ، فخالطَ قلبي منه ما قد(1) علمتَ(2) .
-------------------------
(1) في ( ص ) : ( مما ) بإسقاط : ( قد ) .
(2) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 2/207 .

avatar
حكماء
Admin

عدد المساهمات : 2230
تاريخ التسجيل : 30/12/2013

الحديث الأول Empty تابع شرح الحديث الأول

مُساهمة من طرف حكماء في الإثنين 7 يناير 2019 - 9:44

● [ الصفحة التالية ] ●

وأمَّا النِّيَّةُ بالمعنى الذي يذكره الفُقهاءُ ، وهو أنَّ تمييزَ العباداتِ من العاداتِ ، وتمييز العباداتِ بعضها مِنْ بعضٍ ، فإنَّ الإمساكَ عنِ الأكلِ والشُّربِ يقعُ تارةً حميةً ، وتارةً لعدمِ القُدرةِ على الأكل(3) ، وتارةً تركاً للشَّهواتِ للهِ - عز وجل - ، فيحتاجُ في الصِّيامِ إلى نيَّةٍ ليتميَّزَ بذلك عَنْ تركِ الطَّعامِ على غير هذا الوجه .
وكذلك العباداتُ ، كالصَّلاةِ والصِّيامِ ، منها فرضٌ ، ومنها نفلٌ .
والفرضُ يتنوَّعُ أنواعاً ، فإنَّ الصَّلواتِ المفروضاتِ خمسُ صلواتِ كلَّ يومٍ وليلةٍ ، والصَّومُ الواجبُ تارةً يكونُ صيامَ رمضان ، وتارةً (4) صيامَ كفارةٍ ، أو عن نذرٍ ، ولا يتميَّزُ هذا كلُّه إلاَّ بالنِّيَّةِ ، وكذلك الصدقةُ ، تكونُ نفلاً ، وتكونُ فرضاً ، والفرضُ منه زكاةٌ ، ومنه كفَّارةٌ ، ولا يتميَّزُ ذلكَ إلاَّ بالنِّيَّةِ ، فيدخلُ ذلك في عمومِ قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( وإنَّما لكل امرىءٍ (5) ما نَوى ) .
-------------------------
(3) عبارة : ( وتارة لعدم القدرة على الأكل ) لم ترد في ( ص ) .
(4) زاد بعدها في ( ص ) : ( يكون ) .
(5) في ( ج ) : ( لامريءٍ ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وفي بعضِ ذلك اختلافٌ مشهورٌ بينَ العُلماءِ ، فإنَّ منهم مَنْ لا يُوجِبُ تعيينَ
النِّيَّةِ للصَّلاةِ المفروضةِ ، بل يكفي عندَه أنْ ينويَ فرضَ الوقتِ ، وإنْ لم يستحضِرْ
تسميتَه في الحال ، وهي روايةٌ عن الإمامِ(1) أحمدَ (2) .
-------------------------
(1) لم ترد في ( ص ) .
(2) قال ابن قدامة الحنبلي في " المغني " 1/544-545 : ( لا نعلم خلافاً بين الأئمة في وجوب النية للصلاة ، فإن كانت الصلاة مكتوبة لزمته نية الصلاة بعينها ظهراً أو عصراً أو غيرهما فيحتاج إلى نية شيئين : الفعل والتعيين . =
= ... واختلف أصحابنا في نية الفريضة ، فقال بعضهم : لا يحتاج إليها ؛ لأنَّ التعيين يغني عنها لكون الظهر مثلاً لا يكون إلا فرضاً من المكلف ، وقال ابن حامد : لا بُدَّ من نية الفريضة ؛ لأنَّ المعينة قد تكون نفلاً كظهر الصبي والمعادة فيفتقر إلى ثلاثة أشياء الفعل والتعيين والفريضة ويحتمل هذا كلام الخرقي لقوله : ينوي بها المكتوبة . وقال القاضي : ظاهر كلام الخرقي أنَّه لا يفتقر إلى التعيين ؛ لأنَّه إذا نوى المفروضة انصرفت النية إلى الحاضرة ، والصحيح أنَّه لا بد من التعيين ، بدليل : أنَّه لم يغن عن نية المكتوبة وقد يكره عليه صلوات فلا تعيين إحداهن بدون التعيين ) .
انظر : الواضح في شرح مختصر الخرقي 1/211-212 ، والمبدع 1/358 .
● [ الصفحة التالية ] ●
ويُبنى على هذا القولِ : أنَّ منْ فاتَته صلاةٌ مِنْ يومٍ وليلةٍ ، ونسيَ عينَها ، أنّ عليه أنْ يقضي ثلاثَ صلواتٍ : الفجرَ والمغربَ ورُباعيَّةً واحدة (1) .
-------------------------
(1) قال ابن قدامة الحنبلي : ( أما الفائتة فإنْ عينها بقلبه أنَّها ظهر اليوم لم يحتج إلى نية القضاء ولا الأداء بل لو نواها أداء فبان أنَّ وقتها قد خرج وقعت قضاء من غير نية ، ولو ظن أنَّ الوقت قد خرج فنواها قضاءً فبان أنَّها في وقتها أداء من غير نية كالأسير إذا تحرى وصام شهراً يريد به شهر رمضان فوافقه أو ما بعده أجزأه ، وإنْ ظن أنَّ عليه ظهراً فائتة فقضاها في وقت ظهر اليوم ثم تبين أنَّه لا قضاء عليه فهل يجزئه عن ظهر اليوم ؟ يحتمل وجهين :
أحدهما : يجزئه ؛ لأنَّ الصلاة معينة ، وإنَّما أخطأ في نية الوقت فلم يؤثر كما إذا اعتقد أنَّ الوقت قد خرج فبان أنَّه لم يخرج ، أو كما لو نوى ظهر أمس وعليه ظهر يوم قبله .
والثاني : لا يجزئه ؛ لأنَّه لو لم ينو عين الصلاة فأشبه ما لو نوى قضاء عصر لم يجزه عن الظهر ولو نوى ظهر اليوم في وقتها وعليه فائتة لم يجزه عنها ويتخرج فيها كالتي قبلها . فأما إنْ كانت عليه فوائت فنوى صلاة غير معينة لم يجزه عن واحدة منها لعدم التعيين ولو نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها لزمه خمس صلوات ليعلم أنه أدى الفائتة ، ولو نسي صلاة لا يدري أظهر هي أم عصر لزمه صلاتان ، فإن صلى واحدة ينوي أنها الفائتة لم يجزه لعدم التعيين ) .
انظر : المغني 1/545 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وكذلك ذهبَ طائفةٌ مِنَ العُلماءِ إلى أنَّ صيامَ رمضانَ لا يحتاجُ إلى نيَّةٍ تعينية
أيضاً، بل تُجزىءُ بنيَّة الصيامِ مُطلقاً؛ لأنَّ وقتَه غيرُ قابلٍ لصيامٍ آخر، وهو أيضاً روايةٌ عنِ الإمام(1) أحمدَ (2) . وربَّما حُكِي عن بعضِهم أنَّ صيامَ رمضانَ لا يحتاجُ إلى نيَّةٍ بالكُلِّيَّةِ (3) ؛ لتعيينه بنفسه ، فهو كردِّ الودائعِ ، وحُكِي عن الأوزاعيِّ أنَّ الزَّكاةَ كذلك(4). وتأوَّلَ بعضُهم قولَه على أنَّه أرادَ أنَّها تُجزىءُ بنيَّةِ الصَّدقةِ المُطلَقَةِ كالحجِّ. وكذلك قال أبو حنيفة : لو تصدَّق بالنِّصاب كلِّه مِنْ غيرِ نيَّةٍ أجزأه عن زكاته(5).
وقد رُوي عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّه سَمع رجُلاً يُلبِّي بالحّجِّ عَنْ رجُلٍ، فقال له : ( أحَجَجْت عن نَفسك ؟ ) قالَ: لا، قالَ: ( هذه عَنْ نفسِك، ثمَّ حُجَّ عن الرَّجُلِ ).
وقد تُكُلِّم في صحَّةِ هذا الحديث ، ولكنَّه صحيحٌ عن ابنِ عباسٍ وغيره(6)
-------------------------
(1) لم ترد في ( ص ) .
(2) انظر : المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين 1/253 ، والمغني 3/23
(3) انظر : المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين 1/254 ، والمغني 3/27 ، والشرح الكبير 3/29-30 .
(4) انظر : فقه الإمام الأوزاعي 1/355 ، والمغني 2/502 ، وفقه الزكاة 2/280
(5) انظر : فقه الزكاة 2/284 .
(6) أخرجه : ابن أبي شيبة ( 13368 ) ، وأبو داود ( 1811 ) ، وابن ماجه ( 2903 ) ، وأبو يعلى ( 2440 ) ، وابن الجارود ( 499 ) ، وابن خزيمة ( 3039 ) ، والطحاوي في " شرح المشكل " ( 2547 ) و( 2549 ) ، وابن حبان ( 3988 ) ، والطبراني في " الكبير " ( 12419 ) وفي " الصغير " ، له ( 630 ) ، والدارقطني 2/267-270 ، والبيهقي 4/336-337 من طرق عن ابن عباس ، به مرفوعاً .
وأخرجه: الشافعي في " مسنده " ( 925 ) و( 926 ) بتحقيقي، وابن أبي شيبة ( 13370 )، والدارقطني 2/271 ، والبيهقي 4/337 و5/179-180 ، والبغوي ( 1856 ) من طرق عن ابن عباس ، به موقوفاً .
وللحافظ ابن حجر كلام موسع في صحة هذا الحديث أورده في "التلخيص الحبير" 2/488-489.
● [ الصفحة التالية ] ●
وأخذ بذلك الشَّافعيُّ(1) وأحمدُ(2) في المشهور عنه وغيرُهما ، في أنَّ حَجَّة الإسلامِ تسقُطُ بنيَّةِ الحجِّ مطلقاً، سواءً نوى التَّطوُّعَ أو غيرَه ، ولا يُشتَرطُ للحجِّ تعيينُ النِّيَّةِ ، فمنْ حجَّ عن غيرِه ، ولم يحجَّ عن نفسِهِ ، وقع عنْ نفسه ، وكذا لو حجَّ عنْ نذرهِ ، أو نفلاً ، ولم يكن حجَّ حجَّةَ الإسلام ، فإنه ينقلِبُ عنها ، وقد ثبتَ عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه أمرَ أصحابَهُ في حجَّةِ الوداعِ بعدَ ما دخلُوا معه ، وطافوا ، وسعَوا أنْ يَفسَخُوا حجَّهم ، ويجعلوها عمرةً ، وكانَ منهم القارنُ والمفرِدُ(3)
-------------------------
(1) انظر : الأم 3/306 ، والمجموع 7/67 .
(2) انظر : المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين 1/273 ، والمغني 3/185 .
(3) روي عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهم - ، قال : أهَلَّ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هو وأصحابه بالحج ، وليس مع أحد منهم هديٌ غير النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وطلحة ، وقدم عليٌ من اليمن ومعه هديٌ ، فقال : أهللت بما أهل به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ، فأمر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أنْ يجعلوها عمرة ويطوفوا ، ثم يقصروا ويحلوا إلا من كان معه الهدي ، فقالوا : ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولولا أنَّ معي الهدي لأحللت … ) .
أخرجه : الحميدي ( 1293 ) ، وأحمد 3/302 و305 و317 و362 و366 ، والبخاري 2/176 ( 1568 ) و2/195 ( 1651 ) و3/4 ( 1785 ) و3/185 ( 2505 ) و( 2506 ) و9/103 ( 7230 ) و9/137 ( 7367 ) ، ومسلم 4/36 ( 1216 ) ( 141 ) و4/37 ( 1216 ) ( 142 ) و( 143 ) و4/38 ( 1216 ) ( 144 ) ، وأبو داود ( 1787 ) و( 1788 ) و( 1789 ) ، والنسائي 5/178 و202 و248 وفي " الكبرى "، له ( 3787 ) و( 3855 ) و( 3985 ) و( 4171 ) ، وابن خزيمة ( 957 ) و( 2785 ) و( 2786 ) من طرق عن جابر ، به .
وروي أيضاً عن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال : كانوا يرون أنَّ العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرم صفراً ، ويقولون : إذا برا الدبر وعفا الأثر ، وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر ، قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم ، فقالوا : يا رسول الله أي الحِل ؟ قال : ( حلٌ كله ) .
أخرجه : أحمد 1/252 و370 ، والبخاري 2/54 ( 1085 ) و2/175 ( 1564 ) و3/185 ( 2505 ) و( 2506 ) و5/51 ( 3832 )، ومسلم 4/56 ( 1240 ) ( 198 ) و( 199 ) و4/57 ( 1240 ) ( 201 ) ، والنسائي 5/180 و201 وفي " الكبرى " ، له ( 3795 ) و( 3853 ) و( 3854 ) من طرق عن ابن عباس ، به.
● [ الصفحة التالية ] ●
وإنَّما كانَ طوافُهم عندَ قُدومهم طوافَ القُدومِ وليسَ بفرضٍ ، وقد أمرهم أنْ يجعلُوه طوافَ عمرةٍ(1) وهو فرضٌ ، وقد أخذَ بذلكَ الإمامُ أحمدُ في فسخِ الحجِّ (2) ، وعملَ به ، وهو مشكلٌ على أصلهِ ، فإنَّه يُوجِبُ تعيينَ الطَّوافِ الواجب للحجِّ والعمرة بالنيَّةِ ، وخالفَهُ في ذلك أكثرُ الفُقهاءِ ، كمالكٍ والشَّافعيِّ وأبي حنيفةَ(3) .
وقد يفرِّقُ الإمامُ أحمدُ بينَ أنْ يكونَ طوافُهُ في إحرامٍ انقلبَ ، كالإحرامِ الذي يفسخُه ، ويجعلهُ عمرةً ، فينقلبُ الطَّوافُ فيه تبعاً لانقلابِ الإحرامِ ، كما ينقلبُ الطَّوافُ في الإحرامِ الذي نوى به التَّطوُّعَ إذا كان عليه حَجَّةُ الإسلام ، تبعاً لانقلابِ إحرامِهِ مِنْ أصلهِ ، ووقوعِه عن فَرضِه ، بخلاف ما إذا طافَ للزيارةِ بنيَّةِ الوَداعِ ، أو التَّطوُّعِ (4)، فإنّ هذا لا يُجزئه لأنّه (5) لم ينوِ به الفَرضَ ، ولم ينقلبْ فرضاً تبعاً لانقلابِ إحرامهِ ، والله أعلمُ(6) .
وممَّا يدخُلُ في هذا الباب : أنَّ رجلاً في عهد النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ قد وضعَ صدقتَه عندَ رجُلٍ ، فجاءَ ابنُ صاحبِ الصدقةِ ، فأخذها ممَّن هي عنده ، فعلم بذلكَ أبوهُ ، فخاصمه إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ما إيَّاكَ أردتُ ، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - للمتصدِّقِ : ( لكَ ما نويتَ ) ، وقال للآخِذِ : ( لَك ما أخذْتَ ) خرَّجه(7) البخاري(8)
-------------------------
(1) من قوله : ( وكان منهم القارن والمفرد ... ) إلى هنا لم يرد في ( ص ) .
(2) عبارة : ( في فسخ الحج ) لم يرد في ( ص ) .
(3) انظر : المدونة الكبرى 2/467، والمغني 3/202، والمجموع 7/92-93 ، والمبسوط 4/25 ، وإرشاد الساري : 284 .
(4) أو التطوع ) لم ترد في ( ص ) .
(5) سقطت من ( ص ) .
(6) انظر : المغنى 3/202-203 .
(7) في ( ص ) : ( رواه ) .
(8) في صحيحه 2/138 ( 1422 ) .
وأخرجه : أحمد 3/470 و4/259 ، وحميد بن زنجويه في " الأموال " ( 2296 ) ، والدارمي ( 1645 ) ، والطحاوي في " شرح المشكل " ( 4533 ) ، والطبراني في " الكبير " 19/( 1070 ) ، والبيهقي 7/34 من حديث معن بن يزيد السلمي ، به .
● [ الصفحة التالية ] ●
وقد أخذَ الإمامُ (1) أحمدُ بهذا الحديثِ ، وعملَ به في المنصوصِ عنه ، وإنْ كان أكثرُ أصحابِهِ على خلافِه ، فإنَّ الرَّجُلَ إنَّما يُمنعُ من دفعِ الصَّدقةِ إلى ولده خشيةَ أن يكونَ محاباةً ، فإذا وصلتْ إلى ولده من حيثُ لا يشعر ، فالمحاباةُ منتفيَةٌ ، وهو مِنْ(2) أهلِ استحقاقِ الصَّدقةِ في نفسِ الأمرِ(3) ، ولهذا لو دفعَ صدقَته إلى مَنْ يظنُّه فقيراً ، وكان غنيّاً في نفسِ الأمرِ ، أجزأتهُ على الصَّحيحِ ؛ لأنَّه إنَّما دفَعَ إلى مَنْ يعتقدُ استحقاقَه ، والفقرُ أمرٌ خفيٌّ ، لا يكادُ يُطَّلعُ على حقيقته (4) .
وأمَّا الطَّهارةُ ، فالخلافُ في اشتراط النِّيَّة لها مشهورٌ ، وهو يرجعُ إلى أنَّ
الطَّهارةَ للصَّلاةِ هل هي عبادةٌ مستقلةٌ ، أم هي شرطٌ من شروطِ الصَّلاةِ ، كإزالةِ
النَّجاسةِ ، وسَترِ العورةِ ؟ فمن لم يشترط لها النِّيَّةَ ، جعلها كسائرِ شُروطِ الصَّلاةِ ،
ومَنِ اشترطَ لها النِّيَّةَ ، جعلها عبادةً مُستقلَّةً ، فإذا كانت عبادةً في نفسها ، لم تصحَّ
بدونِ نيّةٍ ، وهذا قولُ جمهور العلماءِ(5)
-------------------------
(1) لم ترد في ( ص ) .
(2) سقطت من ( ص ) .
(3) انظر : مسائل الإمام أحمد بن حنبل برواية ابنه عبد الله ( 551 ) ، والمسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين 1/246 ، ونيل المأرب 2/408 .
(4) انظر : رؤوس المسائل في الخلاف على مذهب أحمد بن حنبل 1/312 .
(5) الفقهاء في هذه المسألة على مذهبين :
المذهب الأول : النية سنة في الوضوء ، وممن قال بذلك أبو حنيفة وأصحابه .
المذهب الثاني : النية فرض ، وبذلك قال جمهور العلماء ، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد والظاهرية والزيدية والإمامية ، وهو الصواب .
انظر : الحاوي الكبير 1/87 ، واللباب في شرح الكتاب 1/10 ، والمغني 1/122-123 ، والمجموع 1/170 ، وإعلام الموقعين 2/216 ، ومنتهى الإرادات 1/18 ، والسيل الجرار 1/75 و80 ، ومفتاح الكرامة 1/203 ، ومسائل من الفقه المقارن 1/66 .
● [ الصفحة التالية ] ●
ويدلُّ على صحَّةِ ذلك تكاثرُ النُّصوصِ الصَّحيحةِ عَنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : بأنَّ الوُضوءَ يكفِّر الذُّنوبَ والخطايا ، وأنَّ(1) مَنْ توضَّأ كما أُمِرَ ، كان كفَّارةً لذُنوبه(2) .
-------------------------
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) من ذلك ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أن عثمان بن عفان دعا بإناءٍ فأفرغ على كفيه ثلاث مِرارٍ ، فغسلهما ، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق ، ثم غسل وجهه ثلاثاً ويديه إلى المرفقين ثلاث مرارٍ ثم مسح برأسه ، ثم غسل رجليه ثلاث مرارٍ إلى الكعبين ، ثم قال : قال رسول الله : ( من توضأ نحو وضوئي هذا ، ثم صلى ركعتين لا يُحدّثُ فيهما نفسه غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه ) .
أخرجه : مالك في " الموطأ " ( 65 ) برواية يحيى الليثي ، وعبد الرزاق ( 141 ) ، والحميدي ( 35 ) ، وأحمد 1/57 و59 و60 و61 و64 و67 و68 و71 ، والدارمي ( 699 ) ، والبخاري 1/51 ( 159 ) و1/52 ( 164 ) و3/40 ( 1934 ) ، و8/114 ( 6433 ) ، ومسلم 1/141 ( 226 ) ( 3 ) و1/142 ( 228 ) ( 7 ) و1/143 ( 231 ) ( 10 ) و1/149 ( 245 ) ( 33 ) ، وأبو داود ( 106 ) ( 107 ) و( 109 ) ، وابن ماجه ( 285 ) و( 459 ) ، وعبد الله بن أحمد في " زياداته " 1/74 ، والنسائي 1/64 و65 و80 و91 و111 وفي " الكبرى " ، له ( 91 ) و(103) و( 171 ) و( 172 ) و( 840 ) ، وابن خزيمة ( 2 ) و( 3 ) و( 158 ) ، وابن حبان (1041) ، والبيهقي 1/225 ، والبغوي ( 152 ) و( 153 ) من حديث عثمان بن عفان ، به .
● [ الصفحة التالية ] ●
وهذا يدلُّ على أنَّ الوُضوءَ المأمورَ به في القرآنِ عبادةٌ مستقلَّةٌ(1) بنفسها ، حيث رتَّب عليه تكفيرَ الذنوبِ ، والوضوءُ الخالي عن النِّيَّةِ لا يُكفِّرُ شيئاً من الذُّنوبِ
بالاتِّفاقِ(2) ، فلا يكونُ مأموراً به ، ولا تصحُّ به الصَّلاةُ ، ولهذا لم يَرِد في شيءٍ من بقيَّةِ شرائطِ الصلاةِ ، كإزالةِ النَّجاسةِ ، وسترِ العورةِ ما ورد في الوُضوءِ مِنَ الثَّوابِ(3) ، ولو شَرَكَ بينَ نيَّةِ الوُضوءِ ، وبينَ قصدِ التَّبرُّد ، أو إزالةِ النَّجاسةِ ، أو الوسخِ ، أجزأه في المنصوصِ عن الشَّافعيِّ(4) ، وهذا(5) قولُ أكثرِ أصحابِ أحمدَ(6) ؛ لأنَّ هذا القصدَ(7) ليسَ بمحرَّمٍ ، ولا مَكروهٍ ، ولهذا لو قصدَ مع رفعِ الحدثِ تعليمَ الوضوءِ ، لم يضرَّهُ ذلك . وقد كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقصِدُ أحياناً(8) بالصلاةِ تعليمَها للنَّاس، وكذلك الحجُّ ، كما قال : ( خذوا عنِّي مناسِكَكُم(9) ) .
وممَّا تدخُلُ النيةُ فيه مِنْ أبوابِ العلمِ : مسائلُ الأيمان .
-------------------------
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) انظر : الأم 2/62-63 ، والواضح في شرح مختصر الخرقي 1/39 .
(3) انظر : الواضح في شرح مختصر الخرقي 1/39 ، ونيل المآرب 1/50 .
(4) انظر : الحاوي الكبير 1/96 ، والوسيط 1/78 ، والمجموع 1/177 .
(5) سقطت من ( ص ) .
(6) انظر : المغني 1/123 .
(7) في ( ص ) : ( الفعل ) .
(8) سقطت من ( ص ) .
(9) أخرجه : أحمد 3/301 و318 و332 و337 و367 و378 ، والدارمي ( 1899 ) ، ومسلم 4/79 ( 1297 ) ( 310 ) ، وأبو داود ( 1970 ) ، والنسائي 5/270 وفي
" الكبرى " ، له ( 4068 ) ، وابن خزيمة ( 2877 ) ، والبيهقي 5/116 و130 ، والبغوي ( 1946 ) من حديث جابر بن عبد الله ، به .
● [ الصفحة التالية ] ●
فلغوُ اليمينِ لا كفَّارةَ فيه، وهو ماجرى على اللِّسان من غيرِ قصدٍ بالقلبِ إليه، كقوله : لا والله ، وبلى والله في أثناءِ الكلامِ(1) ، قال تعالى : { لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } (2) .
وكذلك يُرجَعُ في الأيمان إلى نيَّةِ الحالِف وما قصدَ بيمينه، فإنْ حَلَفَ بطلاقٍ ، أو عَتاقٍ ، ثم ادَّعى أنَّه نوى ما يُخالِفُ ظاهرَ لفظه ، فإنَّه يُدَيَّنُ فيما بينه وبينَ الله - عز وجل - (3) .
-------------------------
(1) انظر : الأم 8/54-55 ، واللباب في شرح الكتاب 4/4 ، وبداية المجتهد 1/500-501 .
وقد وردت أحاديث في اللغو في اليمين ، روي عن إبراهيم الصائغ قال : سألت عطاء عن اللغو في اليمين ، فقال : قالت عائشة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( هو كلام الرجل في بيته ، كلا والله وبلى والله ) .
أخرجه : عبد الرزاق ( 15951 ) ، وأبو داود ( 3254 ) ، والطبري في " تفسيره " ( 3501 ) ، وابن أبي حاتم في " تفسيره " ( 2155 ) ، وابن حبان ( 4333 ) ، والبيهقي 10/49 .
وروى موقوفاً عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : لغو اليمين قول الإنسانِ : لا والله وبلى والله .
أخرجه : مالك في " الموطأ " ( 1366 ) برواية الليثي ، والشافعي في " مسنده " ( 1723 ) و( 1724 ) بتحقيقي ، وعبد الرزاق ( 15952 ) وفي " التفسير " ، له ( 268 ) ، والبخاري 8/168 ( 6663 ) ، والنسائي في " الكبرى " ( 11149 ) ، وابن الجارود ( 925 ) ، والطبري في " تفسيره " ( 3500 ) و( 3507 ) ، وابن أبي حاتم في " تفسيره " ( 2152 ) و( 6701 ) و( 6702 ) ، والبيهقي 10/48 و49 .
(2) البقرة : 225 .
(3) انظر : المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين 2/143-147 ، والواضح في شرح مختصر الخرقي 5/150 ، والهداية 2/130 بتحقيقي .
● [ الصفحة التالية ] ●
وهل يُقبل منه في ظاهرِ الحُكم ؟ فيهِ قولانِ للعُلماءِ (1) مشهوران ، وهما روايتانِ عَنْ أحمَدَ(2)، وقد رُوي عَنْ عمرَ أنّه رُفعَ إليه رجلٌ قالتْ لهُ امرأته : شبِّهني ، قالَ : كأنَّكِ ظبيةٌ ، كأنَّك حمامةٌ ، فقالت (3): لا أرضى حتّى تقولَ : أنت خلِيَّةٌ (4) طالِقٌ ، فقالَ ذَلِكَ ، فقالَ عمر : خذ بيدها فهي امرأتُك . خرَّجه أبو عبيد(5)
-------------------------
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) قال القاضي أبو يعلى : ( إذا أتى بصريح الطلاق ونوى به شيئاً يخالف الظاهر هل يصدق في الحكم أم لا ؟ على روايتين :
إحداهما : يصدق لأنه لا خلاف أنَّه لو قال لمدخول بها : أنت طالق طالق ، وقال أردت بالثانية إفهامها إنْ قد وقع بها طلقة قبل منه ذلك ، كذلك هاهنا ؛ ولأنَّها يمين يصدق فيها في الباطن فصدق فيها في الظاهر .
والرواية الثانية : لا يصدق في الحكم لأنَّ ما قاله خِلاف الظاهر فلم يصدق في حقها كما لو أقر بألف درهم ، ثم رجع وقال : كذبت في إقراري وليس له قبلي شيء فإنَّه يحتمل ما قال ، ولكن لا يصدق في الحكم لأنه خِلاف الظاهر ، كذلك هاهنا ، وقد نص على هذه الرواية في مواضع ) . انظر : المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين 2/147-148 .
(3) زاد بعدها في ( ص ) : ( له ) .
(4) زاد بعدها في ( ص ) : ( أنت ) .
(5) في غريب الحديث 3/379-380 .
وأخرجه : سعيد بن منصور في " سننه " ( 1192 ) و( 1193 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وقال : أراد النَّاقَةَ تكون معقولةً ، ثُمَّ تُطْلَقُ من عِقالها ويُخلَّى عنها ، فهي خَليَّةٌ مِنَ العِقالِ ، وهي طالقٌ ؛ لأنَّها قد طَلَقَت منه ، فأراد الرَّجُلُ ذلك ، فأسقطَ عنه عمرُ الطَّلاق لنيَّته. قال: وهذا أصلٌ لكلِّ(1) مَنْ تكلَّم بشيءٍ يُشبه لفظَ الطَّلاق(2) والعَتاق، وهو ينوي غيرَه أنَّ القولَ فيه قولُه فيما بينَه وبينَ الله ، في الحُكمِ على تأويلِ مذهب(3) عمر - رضي الله عنه - .
ويُروى عن سُمَيطٍ السَّدوسيِّ ، قال : خطبتُ امرأةً ، فقالوا : لا نزوِّجُكَ حتى تُطلِّق امرأتَك ، فقلت : إنِّي قد طلَّقتُها ثلاثاً ، فزوَّجوني ، ثم نظروا ، فإذا امرأتي عندي ، فقالوا : أليسَ قد طلَّقتها ثلاثاً ؟ فقلتُ : كانَ عندي فلانةٌ فطلَّقتُها ، وفلانةٌ فطلَّقتُها ، وفلانة فطلقتها (4) ، فأما هذه ، فلم أطلِّقْها ، فأتيتُ شقيقَ بن ثورٍ وهو يريدُ الخروجَ إلى عثمانَ وافداً ، فقلتُ لهُ : سل أميرَ المؤمنين عَنْ هذه ، فخرج فسأله ، فقالَ : نيَّتُه . خرَّجه أبو عبيد في " كتاب الطلاق " ، وحكى إجماعَ العُلماءِ على مِثلِ(5) ذلكَ .
وقال إسحاقُ بنُ منصورٍ : قلتُ لأحمدَ : حديثُ السُّمَيطِ تَعرفُهُ (6)؟ قال : نعم، السَّدوسيّ، إنّما جعلَ نيَّته بذلك ، فذكر ذلك شقيق لعثمان ، فجعلها نيته(7).
فإن كانَ الحالِفُ ظالماً ، ونوى خِلافَ ما حلَّفه عليه غريمُه ، لم تنفَعْه
نيَّتُه ، وفي " صحيح مسلم "(8)
-------------------------
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) في ( ص ) : ( من تكلم بشبهة الطلاق ) .
(3) سقطت من ( ص ) .
(4) عبارة : ( وفلانة فطلقها ) سقطت من ( ج ) .
(5) سقطت من ( ص ) .
(6) سقطت من ( ص ) .
(7) عبارة : (فذكر ذلك شقيق لعثمان ، فجعلها نيته ) سقطت من ( ص ) .
(8) 5/87 ( 1653 ) ( 20 ) .
وأخرجه : أحمد 2/228 و331 ، والدارمي ( 2354 ) ، وأبو داود ( 3255 ) ، وابن ماجه ( 2121 ) ، والترمذي ( 1354 ) ، والعقيلي في " الضعفاء " 2/251 ، والدارقطني 4/157 و158 ، والحاكم 4/303، وأبو نعيم في " الحلية " 9/225 و10/127، والبيهقي 10/65، والبغوي ( 2514 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
عن أبي هُريرة ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( يمينُكَ على ما يُصدِّقُك عليه صاحبُك ) . وفي رواية له(1) : ( اليمينُ على نيةِ
المُستحْلِفِ(2) ) ، وهذا محمولٌ على الظَّالم ، فأمَّا المظلومُ ، فينفعهُ ذلك . وقد خرَّج الإمام أحمدُ ، وابنُ ماجه مِنْ حديثِ سُويدِ بنِ حنظلةَ، قال: خرجنا نُريدُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومعنا وائلُ بنُ حُجْرٍ ، فأخذه عدوٌّ له ، فتحرَّجَ الناسُ أنْ يحلِفوا ، فحلفتُ أنا إنّه أخي ، فخلى سبيلَه ، فأتينا النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبرتُهُ أنَّ القومَ تحرَّجُوا أنْ يحلفوا ، وحلفتُ أنا (3) إنَّه أخي ، فقال : ( صدقتَ ، المسلمُ أخو المسلم(4) ) .
وكذلك تدخلُ النيَّةُ في الطَّلاق والعتاقِ ، فإذا أتى بلفظٍ مِنْ ألفاظ الكناياتِ المحتملَةِ للطَّلاقِ أو العتاقِ ، فلا بُدَّ له من النيَّةِ(5) .
-------------------------
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) 5/87 ( 1653 ) ( 21 ) .
وأخرجه : ابن ماجه ( 2120 ) ، والقضاعي في " مسند الشهاب " ( 259 ) والبيهقي 10/65 ، والبغوي ( 2515 ) .
(3) سقطت من ( ص ) .
(4) أخرجه : أحمد 4/79 ، وأبو داود ( 3256 ) ، وابن ماجه ( 2119 ) ، والطحاوي في " شرح المشكل " ( 1874 ) ، والطبراني في " الكبير " ( 6464 ) و( 6465 ) ، والحاكم 4/299 ، والبيهقي 10/65 وإسناده ضعيف لجهالة جد إبراهيم بن عبد الأعلى .
(5) قال ابن قدامة في " المغني " 8/285 : ( فأما غير الصريح فلا يقع الطلاق به إلا بنية أو دلالة حال ) .
ونقل الأثرم إذا قال : ( الحقي بأهلك وقال : لم أنو به طلاقاً ليس بشيء ظاهر هذا اعتبار النية ) المسائل الفقهية 2/143 .
وانظر : رؤوس المسائل في الخلاف على مذهب أحمد بن حنبل 2/804، والمجموع 18/172، ومنتهى الإرادات 2/260 ، ونيل المآرب 4/439 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وهل يقومُ مقامَ النِّيَّةِ دَلالةُ الحالِ مِنْ غضبٍ أو سُؤالِ الطَّلاقِ ونحوِه أم لا ؟
فيه خلافٌ مشهورٌ بينَ العلماءِ(1)
-------------------------
(1) قال أبو جعفر الهاشمي الحنبلي في " رؤوس المسائل في الخلاف " 2/804 : ( إذا انضم إلى الكنايات دلالة حال لم يحتج إلى نية ، وقال الشافعي : يحتاج إلى نية وإلا لم يقع ، وعن أحمد نحوه دليلنا : أنَّ دلالة الحال تؤثر في الكلام والأفعال ، أما الكلام فإنَّ اللفظة الواحدة تستعمل في المدح والذم ، وليس ذلك إلا لدلالة الحال ) .
وقال أيضاً في 2/805 : ( ولا فرق بين أنْ يكون دلالة الحال سؤالاً أو غضباً ، وقال أبو حنيفة كمذهبنا في السؤال وفي الغضب يحتاج إلى نية إلا في ثلاث ألفاظ : اختاري ، واعتدي ، وأمرك بيدك ، دليلنا : أنَّ هذه كناية فوقع بها الطلاق في حال الغضب بغير نية كالألفاظ الثلاث ) .
انظر : المسائل الفقهية 2/143-144 ، والمغني 8/269-270 ، ومنتهى الإرادات 2/260 ، ونيل المآرب 4/439 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وهل يقعُ بذلك الطَّلاق في الباطن كما لو نواهُ ، أم يلزمُ به في ظاهر الحُكم فقط ؟ فيه خلافٌ مشهورٌ أيضاً(1) ، ولو أوقعَ الطَّلاقَ بكنايةٍ ظاهرةٍ، كالبَتَّةِ ونحوها ، فهل يقعُ به الثلاثُ أو واحدةٌ ؟ فيه قولان مشهوران، وظاهرُ مذهبِ أحمدَ أنَّه يقعُ به الثَّلاثُ مع إطلاقِ النِّيَّةِ، فإن نوى به ما دُونَ الثَّلاثِ، وقعَ به ما نواه ، وحُكِي عنه رواية أنَّه يلزمه الثَّلاثُ أيضاً(2) .
-------------------------
(1) قال أبو جعفر الهاشمي الحنبلي في " رؤوس المسائل في الخلاف " 2/806 : ( إذا نوى بالكنايات الخفية عدداً من الطلاق ثبت قل أو كثر ، وبه قال أكثرهم ، وقال أبو حنيفة : لاثبت بها إلاّ واحدة بائن ، أو ثلاث ، فأما طلقتان فَلا ، دليلنا : إنّ من ملك إيقاع طلقة بكناية ملك إيقاع طلقتين بكناية كالعبد ) .
(2) قال أبو جعفر الهاشمي الحنبلي في " رؤوس المسائل في الخلاف " 2/804 -805: ( الكنايات الظاهرة لا يقع بها الطلاق إذا لم ينضم إليها دلالة حال أو نية، وبه قال أكثرهم، وقال مالك : يقع الطلاق ، ومن أصحابه من يسمي ذلك صريحاً . دليلنا : أنه لفظ لم يرد به القُرآن للفرقة بين الزوجين ، فلم يكن صريحاً كالكنايات الخفية .
والكنايات الظاهرة إذا نوى بها الطلاق كانت ثلاثاً ، فأمّا الخفية فيرجع في العدد إلى ما نواه ، وقال أبو حنيفة : جميع الكنايات يقع بها واحدة بائن إلا قوله : اعتدي واستبرئي رحمك وأنت واحدة فإنها رجعية ، وقال مالك : الكنايات الظاهرة يقع بها ثلاثاً في حق المدخول بها ، وواحدة في حق غير المدخول بها ، وقال الشافعي : جميع ذلك يقع به واحدة رجعية إلاّ أن ينوي الثلاث فيكون ثلاثاً ) .
وانظر : المغني 8/272-273 ، ونيل المآرب 4/439 .
● [ الصفحة التالية ] ●
ولو رأى امرأةً ، فظنَّها امرأتهُ ، فطلَّقها ، ثم بانت(1) أجنبيَّة ، طلقت امرأتُهُ ؛ لأنَّه إنّما قصدَ طلاقَ امرأتِهِ . نصَّ على ذلك أحمدُ(2) ، وحُكِي عنه رواية أخرى : أنَّها لا تطلق(3) ، وهو قول الشَّافعيّ(4) ، ولو كان العكس ، بأنْ رأى امرأةً ظنَّها أجنبيّةً ، فطلَّقها ، فبانت امرأتُه ، فهل تطلُق ؟ فيه قولان هما روايتان عن أحمد(5) ، والمشهور مِنْ مذهب الشَّافعيِّ وغيره أنَّها تطلق(6) .
ولو كان له امرأتان ، فنهى إحداهما عَنِ الخُروج ، ثم رأى امرأةً قد خرجَتْ ، فظنَّها المنهيَّةَ(7) ، فقال لها : فلانةُ خرجْتِ (8)، أنت طالقٌ ، فقد اختلفَ العُلماء فيها ، فقالَ الحسن : تطلُقُ المنهيَّةُ ؛ لأنَّها هي التي نواها(9) .
وقال إبراهيمُ : تطلقان(10) ، وقال عطاءٌ : لا تطلُق واحدةٌ منهما ، ومذهبُ أحمد : أنَّه تطلُقُ المنهيَّةُ روايةً(11) واحدةً ؛ لأنَّه نوى طلاقَها . وهل تطلق المواجهة على روايتين عنه ، واختلف الأصحاب على القولِ بأنّها(12) تطلُق : هل تطلق في الحُكم فقط ، أم في الباطن أيضاً ؟ على طريقتين لهم .
-------------------------
(1) في ( ص ) : ( فبانت ) .
(2) انظر : المغني 8/284 .
(3) انظر : المغني 8/284-285 .
(4) انظر : الحاوي الكبير 10/295 .
(5) انظر المغني 8/284-285 .
(6) ينظر في هذه المسألة : الحاوي الكبير 10/295 .
(7) عبارة : ( فظنها المنهية ) سقطت من ( ص ) .
(8) عبارة : ( فلانة خرجت ) سقطت من ( ص ) .
(9) أخرجه : عبد الرزاق ( 11303 ) ، وسعيد بن منصور في " سننه " ( 1176 ) .
(10) أخرجه : عبد الرزاق ( 11303 ) ، وسعيد بن منصور في " سننه " ( 1177 ) .
(11) سقطت من ( ص )
(12) زاد بعدها في ( ص ) : ( لا ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وقد استدلَّ بقولِهِ - صلى الله عليه وسلم - : ( الأعمال بالنيَّاتِ ، وإنَّما لامرىءٍ ما نوى ) على أنَّ العُقودَ التي يُقصَدُ بها في الباطنِ التَّوصُّلُ إلى ما هو محرَّمٌ غيرُ صحيحةٍ ، كعقودِ البُيوعِ التي يُقصدُ بها معنى الرِّبا ونحوها ، كما هو مذهبُ مالكٍ وأحمدَ وغيرهما ، فإنَّ هذا العقدَ إنَّما نوي به الرِّبا ، لا البيعَ(1) ، ( وإنَّما لامرىءٍ ما نوى ) .
ومسائلُ النِّيَّةِ المتعلِّقَةُ بالفقه كثيرةٌ جداً ، وفيما ذكرناه كفايةٌ .
وقد تقدَّم عنِ الشَّافعيِّ أنَّه قال في هذا الحديث : إنَّه يدخلُ في سبعينَ باباً من
الفقهِ ، والله أعلمُ(2) .
والنِّيَّةُ : هي قصدُ القلبِ(3) ، ولا يجبُ التَّلفُّظ بما في القَلب في شيءٍ مِنَ العِباداتِ ، وخرَّج بعضُ أصحابِ الشَّافعيِّ له قولاً باشتراطِ التَّلفُّظ بالنِّيَّة للصَّلاة ، وغلَّطه المحقِّقونَ منهم ، واختلفَ المتأخِّرون من الفُقهاء في التَّلفُّظ بالنِّيَّة في الصَّلاة
وغيرها ، فمنهم مَنِ استحبَّه ، ومنهم مَنْ كرهه(4)
-------------------------
(1) انظر : الإشراف على نكت مسائل الخِلاف 2/527 .
(2) انظر : شرح النووي لصحيح مسلم 6/534 ، والمجموع 1/169 ، وفتح الباري 1/14 .
(3) انظر : كتاب العين : 996 ، والصحاح 6/2516 ، ولسان العرب 14/343 .
(4) قال أبو الحسن الماوردي الشافعي : ( محل النية وهو القلب ، ولذلك سميت به لانَّها تفعل بأنأى عضو في الجسد ، وهو القلب ، وإذا كان ذلك كذلك فله ثلاثة أحوال
أحدها : أنْ ينوي بقلبه ، ويلفظ بلسانه فهذا يجزئه ، وهو أكمل أحواله .
والحال الثانية : أنْ يلفظ بلسانه ولا ينوي بقلبه فهذا لا يجزئه .
والحال الثالثة : أنْ ينوي بقلبه ولا يتلفظ بلسانه فمذهب الشافعي يجزئه ، وقال أبو عبد الله الزبيدي - من أصحابنا - لا يجزئه حتى يتلفظ بلسانه تعلقاً بأنَّ الشافعيَّ قال في كتاب " المناسك " ولا يلزمه إذا أحرم بقلبه أنْ يذكره بلسانه وليس كالصلاة التي لا تصح إلاّ بالنطق فتأول ذلك على وجوب النطق في النية ، وهذا فاسد ، وإنَّما إراد وجوب النطق بالتكبير ثم مما يوضح فساد هذا القول حجاجاً : أنَّ النية من أعمال القلب فلم تفتقر إلى غيره من الجوارح كما أنَّ القراءة لما كانت من أعمال اللسان لم تفتقر إلى غيره من الجوارح ) .
الحاوي الكبير 2/91 - 92 .
● [ الصفحة التالية ] ●
ولا يُعلمُ في هذه المسائل نقلٌ خاصٌّ عنِ السَّلفِ ، ولا عن الأئمَّةِ إلاَّ في الحَجِّ وحدَهُ ، فإنَّ مُجاهداً قال : إذا أراد الحجَّ ، يُسمِّي ما يُهلُّ به ، ورُوي عنه أنَّه قال : يسمِّيه في التَّلبيةِ ، وهذا ليس مِمَّا نحنُ فيه ، فإنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يذكرُ نُسُكَه في تلبيته ، فيقول : ( لَبَّيكَ عُمْرةً وحَجّاً )(1) ، وإنَّما كلامُنا أنّه يقولُ عندَ إرادةِ عقدِ الإحرامِ : اللَّهُمَّ إنِّي أُريدُ الحجَّ أو العمرةَ ، كما استَحَبَّ ذلك كثيرٌ من الفُقهاءِ(2)
-------------------------
(1) أخرجه : الحميدي ( 1215 ) ، وأحمد 3/111 و182 و282 ، والدارمي ( 193 ) ، ومسلم 4/52 ( 1232 ) ( 185 ) و( 186 ) و4/59 ( 1251 ) ( 214 ) و( 215 ) ، وأبو داود ( 1795 ) ، وابن ماجه ( 2969 ) ، والنسائي 5/150 وفي " الكبرى " ، له ( 3709 ) و( 3711 ) ، وأبو يعلى ( 4154 ) و( 4155 ) ، وابن الجارود ( 430 ) ، وابن خزيمة ( 2618 ) و( 2619 ) ، والطحاوي في " شرح المعاني " 2/152 و153 وفي " شرح المشكل " ، له ( 2441 ) و( 2442 ) ، والدارقطني 2/288 ، والحاكم 1/472 ، والبيهقي 5/9 و40 ، والبغوي ( 1881 ) و( 1882 ) من حديث أنس بن مالك .
(2) انظر : الأم 3/312 ، واللُّباب في شرح الكتاب 1/181 ، وبداية المجتهد 1/412 ، وإرشاد الساري : 113 ، والمغني 3/246 ، ومنتهى الإرادات 1/243 ، والهداية على مذهب الإمام أحمد بن حنبل 1/217 بتحقيقنا .
واختلف الفقهاء : هل تجزيء النية فيه من غير التلبية ؟ فقال مالك والشافعي : تجزيء النية من غير التلبية ، وقال أبو حنيفة : التلبية في الحج كالتكبيرة في الإحرام بالصلاة .
انظر : بداية المجتهد 1/412 - 413 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وكلامُ مجاهدٍ ليس صريحاً في ذلك . وقال أكثر السَّلفِ ، منهم عطاءٌ وطاووسٌ والقاسمُ بنُ محمدٍ والنَّخعيُّ : تجزئه النِّيَّةُ عندَ الإهلالِ ، وصحَّ عَنِ ابنِ عمرَ أنَّه سمعَ رجُلاً عندَ إحرامِهِ يقولُ : اللَّهُمَّ إنِّي أريدُ الحجَّ أو العمرةَ ، فقال له : أتعلمُ النَّاس ؟ أو ليسَ الله يعلمُ ما في نَفسكَ ؟(1)
ونصَّ مالكٌ على مِثلِ هذا، وأنَّه لا يستحبُّ لهُ أنْ يُسمِّيَ ما أحرمَ به . حكاه صاحب كتاب " تهذيب المدونة " مِنْ أصحابه(2) ، وقال أبو داود : قلتُ لأحمدَ : أتقولُ قبلَ التَّكبير –يعني : في الصَّلاة- شيئاً ؟ قال : لا ، وهذا قد يدخُلُ فيه أنّه لا يتلَّفظُ بالنِّيَّةِ ، والله أعلم(3) .
-------------------------
(1) أخرجه : البيهقي 5/40 .
(2) التهذيب في اختصار المدونة 1/493 لأبي سعيد البراذعي خلف بن أبي القاسم القيرواني ، وقال القَرافي المالِكي في " الذخيرة " 3/148 : ( قال ابن القاسم : قال لي مالك : النية تكفي في الإحرام ولا يُسمي . قال سند : الإحرام ينعقد بتجرد النية ، وكره مالك التسمية ، واستحبها ابن حنبل ) .
انظر : المدونة الكبرى 2/467 ، والإشراف على نكت مسائل الخلاف 1/471 .
(3) في " مسائل الإمام أحمد لأبي داود " : 30 .
وانظر : المغني 1/544 - 445 ، والواضح في شرح مختصر الخرقي 1/211 - 213 ، ورؤوس المسائل في الخِلاف 1/121 ، ونيل المآرب 1/140.
● [ تم شرح الحديث ] ●

الحديث الأول Fasel10

جامع العلوم والحكم
لإبن رجب الحنبلي
منتدى ميراث الرسول . البوابة
الحديث الأول E110


    الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء 11 ديسمبر 2019 - 4:55