الفصل الرابع عشر: وصف وجوه من البلاغة

شاطر

حكماء
Admin

عدد المساهمات : 1968
تاريخ التسجيل : 30/12/2013

الفصل الرابع عشر: وصف وجوه من البلاغة

مُساهمة من طرف حكماء في الإثنين 3 ديسمبر 2018 - 9:46


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة علوم القرآن
الإعجاز البياني للقرآن الكريم
الفصل الرابع عشر
في وصف وجوه من البلاغة


ذكر بعض أهل الأدب والكلام أن البلاغة على عشرة أقسام: الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، والتلاؤم، والفواصل، والتجانس، والتصريف، والتضمين، والمبالغة، وحسن البيان.
الإيجاز
فأما الإيجاز: فإنما يحسن مع ترك الإخلال باللفظ والمعنى، فيأتي باللفظ القليل الشامل لأمور كثيرة، وذلك ينقسم إلى حذف وقصر:
فالحذف الإسقاط: للتخفيف، كقوله: ( وَاسْأَلِ القَرْيَةِ )، وقوله: ( طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ).
وحذف الجواب كقوله: ( وَلَوْ أَنَّ قُرْآنَاً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى )، كأنه قيل لكان هذا القرآن. والحذف أبلغ من الذكر لأن النفس تذهب كل مذهب في القصد من الجواب.
والإيجاز بالقصد كقوله: ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ )، وقوله ( يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهمْ هُمُ الْعَدُوُّ )، وقوله: ( إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُم )، ( وَلاَ يَحيقُ الْمَكْرُ السَّيِّءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ ).. وإطناب فيه بلاغة، فأما التطويل ففيه عي.
التشبيه
وأما التشبيه بالعقد على أن أحد الشيئين يسد مسد الآخر في حس أو عقل، كقوله: ( وَالَّذِينَ كَفُرُواْ أَعْمَالُهُم كَسَرَابٍ بِقِيعةٍ يَحْسَبُهُ الْظَمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ).
وقوله: ( مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ).
وقوله: ( وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّه ظُلَّةٌ ).
وقوله: ( إِنّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَ الأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زَخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُم قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارَاً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ ).
وقوله: ( إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِّرٍ، تَنْزِعُ النَّاسَ كّأَنَّهُم أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ).
وقوله: ( فَإِذَا اْنشَقَّتِ السَّماءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ).
وقوله: ( وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غِيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرَّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَامَاً ).
وقوله: ( وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّماءِ وَالأَرْضِ ).
وقوله: ( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارَ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ).
وقوله تعالى: ( فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَث ).
وقوله: ( كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ).
وقوله: ( مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخّذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتَاً، وإِنَّ أَوْهَنَ الْبِيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ ).
وقوله: ( وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَاْلأَعْلاَمِ ).
وقوله: ( خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالفَخَّارِ ).. ونحو ذلك.
الاستعارة
ومن ذلك باب الاستعارة: وهو بيان التشبيه، كقوله تعالى: ( وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءٍ مَنْثُوراً ).
وكقوله: ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ"، وكقوله: "إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَة ).
وقوله: ( وَلَمَّا سَكَتَ عِن مُّوسَى الْغَضَبُ ).
وكقوله: ( فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ).
وقوله: ( بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ )، فالدمغ والقذف مستعار.
وقوله: ( وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ ).
وقوله: ( وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُم ).
وقوله: ( فذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ ).
وقوله: ( حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ).
وقوله: ( وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ).
وقوله: ( مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَاءُ ).
وقوله: ( فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ).
وقوله: ( أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارَاً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدَاً ).
وقوله: ( حَصِيدَاً خَامِدِينَ ).
وقوله: ( ألَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ).
وقوله: ( وَدَاعِيَاً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجَاً مُنِيراُ ).
وقوله: ( وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ ).
وقوله: ( وَلَنُذِيقَنَّهُم مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ ).
وقوله: ( فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ )، يريد أن لا إحساس بآذانهم من غير صمم.
وقوله: ( وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيِهم )، وهذا أوقع من اللفظ الظاهر، وأبلغ من الكلام الموضوع.
التلاؤم
وأما التلاؤم؛ فهو تعديل الحروف في التأليف، وهو نقيض التنافر، كقول الشاعر:
وقـبرُ حربٍ بمكانٍ قفرٍ ● وليس قربَ قبرِ حربٍ قبرُ
قالوا: هو من شعر الجن، حروفه متنافرة، لا يمكن إنشاده إلا بتتعتع فيه.
والتلاؤم على ضربين: أحدهما في الطبقة الوسطى كقوله:
رمتني وستْرُ الله بيني وبينها ● عشيةَ آرامِ الكناس " رميمُ "
رميمُ التي قالت لجارات بيتها ● ضمنتُ لكم أن لا يزال يَهِيمُ
ألا رُبَّ يومٍ لو رمتني رميتُهـا ● ولكن عهدي بالـنـضـال قـديمُ
القرآن كله في الطبقة العليا من التلاؤم
قالوا والمتلائم في الطبقة العليا القرآن كله، وإن كان بعض الناس أحسن إحساساً من بعض، كما أن بعضهم يفطن للموزون بخلاف بعض.
والتلاؤم: حسن الكلام في السمع، وسهولته في اللفظ، ووقع المعنى في القلب، وذلك كالخط الحسن، والبيان الشافي..
والمتنافر كالخط القبيح، فإذا انضاف إلى التلاؤم حسن البيان، وصحة البرهان، في أعلى الطبقات، ظهر الإعجاز لمن كان جيد الطبع، وبصيراً بجودة الكلام، كما يظهر له أعلى طبقة الشعر.
والمتنافر ذهب الخليل إلى أنه من بعد شديد، أو قرب شديد، فإذا بعد فهو كالطفرة، وإذا قرب جداً كان بمنزلة مشي المقيد، ويبين ذلك بقرب مخارج الحروف وتباعدها.
الفواصل
وأما الفواصل: فهي حروف متشاكلة في المقاطع، يقع بها إفهام المعاني. وفيها بلاغة. والإسجاع عيب، لأن السجع يتبع اللفظ، والفواصل تابعة للمعاني.. والسجع كقول مسيلمة.
ثم الفواصل قد تقع على حروف متجانسة كما قد تقع على حروف متقاربة، ولا تحتمل القوافي ما تحتمل الفواصل، لأنها ليست في الطبقة العليا في البلاغة، لأن الكلام يحسن فيها بمجانسة القوافي، وإقامة الوزن،
التجانس
وأما التجانس فإنه بيان أنواع الكلام الذي يجمعه أصل واحد. وهو على وجهين: مزاوجة ومناسبة.
فالمزاوجة كقوله تعالى: ( فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيهِ بَمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ )، وقوله: ( وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ )،
وأما المناسبة فهي كقوله تعالى: ( ثُمَّ انْصَرَفُواْ صَرَفَ اللَّهُ قُلُبَهُم ). وقوله: ( يَخَافُونَ يَومَاً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ ).
التصريف
وأما التصريف: فهو تصريف الكلام في المعاني، كتصريفه في الدلالات المختلفة: كتصريف الملك في معاني الصفات، فصرف في معنى مالك وملك وذي الملكوت والمليك، وفي معنى التمليك والتملك والإملاك.. وتصريف المعنى في الدلالات المختلفة، كما كرر من قصة موسى في مواضع.
التضمين
وأما التضمين: فهو حصول معنى فيه من غير ذكره له باسم أو صفة هي عبارة عنه، وذلك على وجهين: تضمين توجبه البنية كقولنا معلوم، يوجب أنه لا بد من عالم.
وتضمين يوجبه معنى العبارة، من حيث لا يصح إلا به، كالصفة بضارب يدل على مضروب.
● التضمين إيجاز
والتضمين كله إيجاز، والتضمين الذي تدل عليه دلالات القياس أيضاً إيجاز، وذكر أن "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" من باب التضمين، لأنه تضمن تعليم الاستفتاح في الأمور باسمه، على جهة التعظيم لله تبارك وتعالى، أو التبرك باسمه.
المبالغة
وأما المبالغة: فهي الدلالة على كثرة المعنى، وذلك على وجوه.
منها مبالغة في الصفة المبينة لذلك، كقولك رحمن، عدل عن ذلك للمبالغة، وكقوله غفار، وكذلك فعال وفعول كقوله شكور وغفور وفعيل كقوله رحيم وقدير.
ومن ذلك أن يبالغ باللفظة التي هي صفة عامة. كقوله: ( خَالِقٌ كُلِّ شَيءِ )،
وكقوله: ( فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِنَ الْقَوَاعِدِ )،
وكقوله ( وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حّتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ ).
وكقوله: ( وَإنَّا أوْ إِيَّاكَمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ). وقد يدخل فيه الحذف الذي تقدم ذكره للمبالغة.
البيان على أربعة أقسام
وأما حسن البيان فالبيان على أربعة أقسام: كلام، وحال، وإشارة، وعلامة. ويقع التفاضل في البيان، ولذلك قال عز من قائل: ( الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ البَيَانَ ).
وقيل: أعيا من باقل، سئل عن ظبية في يده بكم اشتراها، فأراد أن يقول بأحد عشر، فأشار بيديه ماداً أصابعه العشرة ثم أدلع لسانه، وأفلت الظبي من يده... ثم البيان على مراتب.
من الناس من يريد أخذ إعجاز القرآن من وجوه البلاغة
قلنا: قد كنا حكينا أن من الناس من يريد أن يأخذ إعجاز القرآن من وجوه البلاغة، التي ذكرنا أنها تسمى البديع في أول الكتاب مما مضت أمثلته في الشعر.
ومن الناس من زعم أنه يأخذ ذلك من هذه الوجوه التي عددناها في هذا الفصل.
من الإعجاز ما لا سبيل إليه بالتعلم
واعلم أن الذي بيناه قبل هذا، وذهبنا إليه، هو سديد، وهو أن هذه الأمور تنقسم، فمنها، ما يمكن الوقوع عليه، والتعمل له، ويدرك بالتعلم، فما كان كذلك فلا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن به.
وأما ما لا سبيل إليه بالتعلم والتعمل من البلاغات، فذلك هو الذي يدل على إعجازه، ونحن نضرب لذلك أمثلة. لتقف على ما ذهبنا إليه، وذكرنا في هذا الفصل عن هذا القائل أن التشبيه تعرف به البلاغة، وذلك مسلم، ولكن إن قلنا: ما وقع من التشبيه في القرآن معجز، عرض علينا من التشبيهات الجارية في الأشعار ما لا يخفى عليك.
وأنت تجد في شعر ابن المعتز من التشبيه البديع الذي يشبه السحر، وقد تتبع في هذا ما لم يتتبع غيره، واتفق له ما لم يتفق لغيره من الشعراء، وكذلك كثير من الوجوه البلاغة، قد بينا أن تعلمها يمكن وليس تقع البلاغة بوجه واحد منها دون غيره. فإن كان إنما يعني هذا القائل أنه أتى في كل معنى يتفق في كلامه بالطبقة العالية، ثم كان ما يصل به كلامه بعضه ببعض وينتهي منه إلى متصرفاته على أتم البلاغة، وأبدع البراعة، فهذا مما لا نأباه، بل نقول به.
وإنما ننكر أن يقول قائل: إن بعض هذه الوجوه بانفرادها قد حصل فيه الإعجاز، من غير أن يقارنه ما يتصل به الكلام، ويفضي إليه، مثل ما يقول: إن ما أقسم به وحده بنفسه معجز، وإن التشبيه معجز التجنيس معجز، والمطابقة بنفسها معجزة.
إعجاز الآية لألفاظها ونظمها لا لموضع التشبيه
فأما الآية التي فيها ذكر التشبيه: فإن ادعى إعجازها لألفاظها ونظمها وتأليفها فأني لا أدفع ذلك، وأصححه، ولكن لا أدعي إعجازها لموضع التشبيه.
وصاحب المقالة التي حكيناها أضاف ذلك إلى موضع التشبيه، وما قرن به من الوجوه، ومن تلك الوجوه ما قد بينا أن الإعجاز يتعلق به كالبيان، وذلك لا يختص بجنسٍ من المبين دون جنس، ولذلك قال: ( هَذا بَيَانٌ لِلنَّاسِ )، وقل: ( تِبْيَانَاً لِكُلِّ شَيءٍ )، وقال ( بِلِسَانٍ عَرَبيٍّ مُبينٍ )، فكرر في مواضع ذكره أنه مبين.
القرآن أعلى منازل البيان
فالقرآن أعلى منازل البيان، وأعلى مراتبه ما جمع وجوه الحسن وأسبابه. وطرقه وأبوابه، من تعديل النظم وسلامته، وحسنه وبهجته، وحسن موقعه في السمع وسهولته في اللسان، ووقوعه في النفس موقع القبول، وتصوره تصور المشاهد، وتشكله على جهته، حتى يحل محل البرهان، ودلالة التأليف مما لا ينحصر حسناً وبهجة وسناء ورفعة.
إذا علا الكلام وقع في القلوب
وإذا علا الكلام في نفسه كان له من الواقع في القلوب، والتمكن في النفوس، ما يذهل ويبهج، ويقلق ويؤنس، ويطمع ويؤيس، ويضحك ويبكي، ويحزن ويفرح، ويسكن ويزعج، ويشجي ويطرب، ويهز الأعطاف، ويستميل نحوه الأسماع، ويورث الأريحية والعزة، وقد يبعث على بذل المهج والأموال شجاعة وجوداً. ويرمي السامع من وراء رأيه مرمى بعيداً، وله مسالك في النفوس لطيفة، ومداخل إلى القلوب دقيقة، وبحسب ما يترتب في نظمه، ويتنزل في موقعه، ويجري على سمت مطلعه ومقطعه، يكون عجيب تأثيراته، وبديع مقتضياته، وكذلك على حسب مصادره، يتصور وجوه موارده.
الكلام ينبئ عن محل صاحبه
وقد ينبئ الكلام عن محل صاحبه، ويدل على مكانه متكلمه، وينبه على عظيم شأن أهله، وعلى علو محله.
ألا ترى أن الشعر في الغزل إذا صدر عن محب كان أرق وأحسن. وإذا صدر عن متغزل، وحصل عن متضع، نادى على نفسه بالمداجاة، وأخبر عن خبيئه في المراءة.
بيان القرآن أشرف بيان
ثم رجع الكلام بنا إلى ما ابتدأنا به، من عظيم شأن البيان، ولو لم يكن فيه إلا ما مَنَّ به الله على خلقه بقوله: ( خَلَقَ الإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ).
فأما بيان القرآن فهو أشرف بيان وإهداء. وأكمله وأعلاه، وأبلغه وأسناه. تأمل قوله تعالى: ( أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذّكْرِ صَفْحاً أَنْ كُنُتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ )، في شدة التنبيه على تركهم الحق، والإعراض عنه، وموضع امتنانه بالذكر والتحذير.
وقوله: ( وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمتُمْ، أَنَّكُم فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ). وهذا بليغ في التحسير.
وقوله: ( وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عُنْهُ )، وهذا يدل على كونهم مجبولين على الشر، معودين لمخالفة النهي والأمر.
وقوله: ( ألأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُم لِبَعْضٍ عَدُوَّ إِلاَّ الْمتَّقِينَ )، هو في نهاية الوضع من الخلة الأعلى التقوى.
وقوله: ( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّه )، وهذا نهاية في التحذير من التفريط.
وقوله: ( أَفَمَنْ يُلْقَى في النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّنْ يَأْتي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُواْ مَا شِئْتُم إِنَّهُ بما تَعْمَلُونَ بَصيرٌ )، هي النهاية في الوعيد والتهديد.
وقوله: ( وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ العَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِّن سَبِيل، وَتَرَاهُمْ يعْرَضُونَ عَلَيْها خَاشِعِين مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ حَفيٍّ ) نهاية في الوعيد.
وقوله: ( وَفيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلذُّ الأَعْيُنُ وَأّنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) نهاية في الترغيب.
وقوله: ( مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَّذهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ). وكذلك قوله: ( لَوْ كَانَ فِيهمَا آلِهةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتاَ ) نهاية في الحجاج.
وقوله: ( وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطيف الخَبِيرُ )، نهاية في الدلالة على علمه بالخفيات.
طرق الإعجاز
ولا وجه للتطويل، فإن بيان الجميع في الرفعة، وكبر المنزل على سواء.. وقد ذكرنا من قبل أن البيان يصح أن يتعلق به الإعجاز، وهو معجز من القرآن.
وما حكينا عن صاحب الكلام من المبالغة في اللفظ فليس ذلك بطرق الإعجاز، لأن الوجوه التي ذكرت قد تتفق في كلام غيره، وليس ذلك بمعجز، بل قد يصح أن يقع في المبالغة في المعنى والصفة وجوه من اللفظ يثمر الإعجاز.
وتضمين المعاني أيضاً قد يتعلق به الإعجاز، إذا حصلت للعبارة طريق البلاغة في أعلى درجاتها...
وأما الفواصل قد بينا أنه يصح أن يتعلق بها الإعجاز..
وكذلك قد بينا في المقاطع والمطالع نحو هذا..
وبينا في تلاؤم الكلام ما سبق من صحة تعلق الإعجاز به...
والتصرف في الإستعارة البديعة يصح أن يتعلق به الإعجاز.
كما يصح مثل ذلك في حقائق الكلام، لأن البلاغة في كل واحد من البابين، تجري مجرى واحداً، وتأخذ مأخذاً مفرداً.
وأما الإيجاز والبسط فيصح أن يتعلق بهما الإعجاز، كما يتعلق بالحقائق. والإستعارة والبيان في كل واحد منهما ما لا يضبط حده، ولا يقدر قدره، ولا يمكن التوصل إلى ساحل بحره بالتعلم، ولا يتطرق إلى غوره بالتسبب.
ما لا يكون من طرق الإعجاز
وكل ما يمكن تعلمه، ويتهيأ تلقنه، ويمكن تخليصه، ويستدرك أخذه فلا يجب أن يطلب وقوع الإعجاز به، ولذلك قلنا إن السجع مما ليس يلتمس فيه الإعجاز، لأن ذلك أمر محدود، وسبيل مورود، ومتى تدرب الإنسان به واعتاده، لم يستصعب عليه أن يجعل جميع كلامه منه...
وكذلك التجنيس والتطبيق متى أخذ حدهما، وطلب وجههما، استوفى ما شاء، ولم يتعذر عليه أن يملأ خطابه منه. كما أولع بذلك أبو تمام والبحتري، وإن كان البحتري أشغف بالمطابق، وأقل طلباً للمجانس.
فإن قال قائل: هلاَّ قلت إن هذين البابين يقع فيهما مرتبة عالية لا يوصل إليها بالتعلم، ولا تملك بالتعمل، كما ذكرتم في البيان وغير ذلك،
قلنا: لو عمد إلى كتاب الأجناس، ونظر في كتاب العين، لم يتعذر عليه التجنيس الكثير. فأما الإطباق فهو أقرب منه، وليس كذلك البيان، والوجوه التي رأينا الإعجاز فيها، لأنها لا تستوفى بالتعلم.
فإن قيل: فالبيان قد يتعلم.
قيل: إن الذي يمكن أن يتوصل إليه بالتعلم يتفاوت فيه الناس، وتتناهى فيه العادات، وهو كما يعلم من مقادير القوى في حمل الثقيل وإن كان الناس يتقاربون في ذلك، فيرمون فيه إلى حد، فإذا تجاوزوه وقفوا بعده، ولم يمكنهم التخطي، ولم يقدروا على التعدي، إلا أن يحصل ما يخرق العادة، وينقض العرف، ولن يكون ذلك إلا للدلالة على النبوات، على شروط في ذلك القدر الذي يفوت الحد في البيان، ويتجاوز الوهم، ويشذ عن الصنعة، ويقذفه الطبع في النادر القليل. كالبيت البديع، والقطعة الشريفة، التي تتفق في ديوان الشاعر، والفقرة في لسان كاتب، حتى يكون الشاعر ابن بيت أو بيتين، أو قطعة أو قطعتين، والأديب شهيد كلمة أو كلمتين، وذلك أمر قليل.
قدر المعجز هي السورة طالت أو قصرت
فأما عجز المعجز فقد بينا أنها السورة طالت أو قصرت، وبعد ذلك خلاف: من الناس من قال مقدار كل سورة أو أطول أية فهو معجز، وعندنا كل واحد من الأمرين معجز، والدلالة عليه ما تقدم، والبلاغة لا تتبين بأقل من ذلك. فلذلك لم نحكم بإعجازه. وما صح أن تتبين فيه البلاغة، ومحصولها الإبانة في الإبلاغ عن ذات النفس، على أحسن معنى، وأجزل لفظ، وبلوغ الغاية في المقصود بالكلام، فإذا بلغ الكلام غايته في هذا المعنى كان بالغاً وبليغاً، فإذا تجاوز حد البلاغة، إلى حيث لا يقدر عليه أهل الصناعة، وانتهى إلى أمر يعجز عنه الكامل في البراعة، صح أن يكون له حكم المعجزات، وجاز أن يقع موقع الدلالات، وقد ذكرنا أن بجنسه وأسلوبه مباين لسائر الكلام، ثم بما يتضمن من تجاوزه في البلاغة الحد الذي قدر عليه البشر.
اعتراض ورد عليه
فإن قيل: فإذا كان يجوز عندكم أن يتفق في شعر الشاعر قطعة عجيبة شاردة، تباين جميع ديوانه في البلاغة، ويقع في ديوانه بيت واحد يخالف مألوف طبعه، ولا يعرف سبب ذلك البيت، ولا تلك القطعة، في التفصيل. ولو أراد أن يأتي بمثل ذلك، ويجعل جميع كلامه من ذلك النمط، لم يجد إلى ذلك سبيلا، وله سبب في الجملة وهو التقدم في الصنعة، لأنه يتفق المتأخر فيها... فهلا قلتم. إنه إذا بلغ في العلم بالصناعة مبالغة قصوى كان جميع كلامه من نمط ذلك البيت، وسمت تلك القطعة، وهلا قلتم إن القرآن من هذا الباب.
● فالجواب
أنا لم نجد أحداً بلغ الحد الذي وصفتم في العادة، وهؤلاء الناس وأهل البلاغة: أشعارهم عندنا محفوظة، وخطبهم منقولة، ورسائلهم مأثورة، وبلاغاتهم مروية، وحكمهم مشهورة.. وكذلك أهل الكهانة والبلاغة، مثل قس بن ساعدة وسحبان وائل، ومثل شق وسطيح وغيرهم، كلامهم معروف عندنا، وموضوع بين أيدينا، لا يخفى علينا في الجملة بلاغة بليغ، ولا خطابة خطيب، ولا براعة شاعر مفلق، ولا كتابة كاتب مدقق. فلما لم نجد في شيء من ذلك ما يداني القرآن في البلاغة، أو يشاكله في الإعجاز، مع ما وقع من التحدي إليه المدة الطويلة، وتقدم من التفريغ والمجازاة الأمد المديد. وثبت له وحده خاصة قصب السبق والإستيلاء على الأمر، وعجز الكل عنه، ووقفوا دونه حيارى، يعرفون إعجازهم وإن جهل قوم سببه، ويعلمون نقصهم وإن أغفل قوم وجهه، رأينا أنه ناقض للعادة، ورأينا أنه خارق للمعروف، في الحيلة، وخرق العادة إنما يقع بالمعجزات على وجه إقامة البرهان على النبوات، وعلى أن من ظهرت عليه، ووقعت موقع الهداية إليه، صادق فيما يدعيه من نبوته، ومحق في قوله، ومصيب في هديه، قد سادت له الحجة البالغة، والكلمة التامة، والبرهان النير، والدليل البين.


مُختصر: كتاب إعجاز القرآن
تأليف : الباقلاني
منتديات الرسالة الخاتمة . البوابة



    الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 10 ديسمبر 2018 - 6:18